فالتوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك، والخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك، والعباد متقلبون بين توفيقه وخذلانه، بل العبد في الساعة الواحد ينال نصيبه من هذا وهذا، فيطيع ربه ويرضيه، ويذكره ويشكره، بتوفيقه له، ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه ويغفل عنه بخذلانه، فهو دائرٌ بين توفيق الله وخذلانه، فإن وفقه ربه فبفضله ورحمته، وإن خذله فبعدله وحكمته، وهو المحمود على هذا وهذا، لم يمنع سبحانه عبده شيئًا هو له، وإنما منعه ما هو مجرد فضل وعطايا، وهو أعلم حيث يضعه، وأين يجعله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
فإذا علم العبد ذلك علم ضرورته وحاجته إلى التوفيق في كل نفس، وكل لحظه، وكل طرفة عين، وشهد توفيق الله وخذلانه كما يشهد ربوبيته وخلقه، فيسأل ربه توفيقه مسألة المضطر، ويعوذ به من خذلانه عياذ الملهوف، ويلقي نفسه بين يديه مستسلمًا له سبحانه، خاضعًا ذليلًا له، مستكينًا لا يملك لنفسه دفعًا ولا ضرًا، فالتوفيق إرادة الله من نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد بأن يجعله قادرًا على فعل ما يرضيه، مريدًا له، محبًا له، مؤثرًا له على غيره، مبغضًا إليه ما يسخطه وما يكره، وهذا مجرد فعله سبحانه، والعبد محله، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ