فإذا وقع العبد في المعصية، خرجت من قلبه تلك الغلظة والقسوة والغضب الذي كان عنده لما صدر منه الذنب، حتى لو قدر عليه لأهلكه، وربما دعى عليه غضبًا لله، وحرصًا منه على أن لا يعصى ربه فلا يجد في قلبه رحمة للمذنبين، فإذا جرت عليه المقادير استغاث بالله، والتجأ إليه، ودعا للمذنبين بالمغفرة: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
الحادي عشر: مشهد العجز والضعف.
فالإنسان أعجز شيءٍ عن حفظ نفسه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨].
ولا حول له ولا قوة له إلا بربه، تجري عليه أحكام القدر وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ليس له من نفسه إلا الجهل والظلم، فالهلاك أدنى إليه من شراك نعله، كشاةٍ ملقاةٍ بين الذئاب والسباع لا يردهم عنها إلا الراعي، فلو تخلى عنها طرفة عين لتقاسموها أعضاء.
وهكذا حال العبد ملقى بين الله وبين أعدائه من شياطين الإنس والجن، فإن حماه منهم، وكفهم عنه، لم يجدوا إليه سبيلًا، وإن تخلى عنه وكله إلى نفسه ولو طرفة عين اغتاله، وظفر به أحدهم، فاحفظ الله يحفظك.
وفي هذا المشهد يعرف العبد نفسه حقًا، ويعرف فضل ربه حقًا، فمن عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة، ومن عرفها بالعجز عرف ربه