للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإذا اشتغل العبد بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم من ربه، أقبل على طاعة ربه، وأقلع عن معصيته، وشهد حلم الله في إمهال راكب الخطيئة، ولو شاء لعجل له العقوبة: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١].

ويعرف كذلك كرم ربه في قبول العذر منه إذا اعتذر عليه، ويقبل عذره بكرمه وجوده، فيوجب له ذلك اشتغالًا بذكره وشكره، ويشهد كرمه في مغفرة ذنوبه، فإن المغفرة كرم من الله وعفو بفضله، لا باستحقاق العبد له، فيوجب ذلك له شكرًا لله، ومحبة له، وإنابة إليه، وفرحًا وابتهاجًا به، ومعرفة له باسمه الغفار، وبذلك يكمل لعبده مراتب العبودية من التعظيم لمولاه، والذل له، والحب له، والخضوع والانكسار بين يديه، وكمال الافتقار إليه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)[الأنفال: ٢ - ٤].

والثاني: أن يقيم الله على عبده حجة عذره، فيعاقبه على ذنبه بحجته، وكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به، ونهى عنه، فصد عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجة، والله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، فإذا عاقبه على ذنبه، عاقبه بحجته على ظلمه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)[الإسراء: ١٥].

فإذا أقدم العبد على سبب الهلاك، وقد عرف أنه سبب الهلاك فهلك، فالحجة مركبة عليه، والمؤاخذة لازمة له: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)[النساء: ١٢٣].

<<  <  ج: ص:  >  >>