للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهذا من أعظم العدل، فإنه سبحانه نسيهم كما نسوه، وأنساهم حظوظ أنفسهم ونعيمها وكمالها، وأسباب سعادتها ولذتها، عقوبةٌ لهم على نسيان المحسن إليهم بصنوف النعم، المتحبب إليهم بآلائه ونعمائه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)[الأنعام: ١٠٢].

فلما قابلوا ذلك بنسيان ذكره، والإعراض عن شكره، عدل فيهم بأن أنساهم مصالح أنفسهم فعطلوها ووقعت فيما تفسد به، وتتألم بفوته: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)[الانفطار: ١٣ - ١٤].

ومن أعظم مصالح النفس وتحصيل حظوظها، ذكرها لربها، وفاطرها، وشكرها له، وطاعتها لأمره، فلا نعيم لها ولا سرور، ولا فلاح ولا صلاح، إلا بذكر الله وحبهِ وطاعتهِ، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)[الرعد: ٢٨ - ٢٩].

فهؤلاء ذكروا الله فذكرهم، وذَّكرهم بمصالح نفوسهم ففعلوها، وأوقفهم على عيوبهم فأصلحوها، وعرفهم حظوظها العالية فبادروا إليها: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)[الأنبياء: ٩٠].

فجازى أولئك على نسيانهم بأن أنساهم الإيمان، ومحبة الله، وذكره، وشكره، فلما خلت قلوبهم من ذلك لم يجدوا عن ضده محيصًا، وهذا يبيَّن لنا كمال عدل الله سبحانه في تقدير الكفر والذنوب عليها، وإذا كان

<<  <  ج: ص:  >  >>