وقصر باليهود حتى كذبوا بالمسيح، ورموه هو وأمه بما برأهم الله منه، وتجاوز بالنصارى حتى جعلوه ابن الله، وجعلوه إلهًا يُعبد مع الله.
وقصر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب، ولم يلتفتوا إليها، وعدوها فضلاً، وتجاوز بآخرين حتى قصروا نظرهم وعملهم عليها، ولم يلتفتوا إلى كثير من أعمال الجوارح.
فلا إله إلا الله كم فتن الشيطان بهذا الكيد والمكر من خلق الله!: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
ومن مكائد الشيطان أنه يأمر الغني، وصاحب الجاه، أن يلقوا المساكين والضعفاء، وذوي الحاجات بوجه عبوس، لئلا يطمعوا فيهم، ويتجرؤوا عليهم، وتسقط هيبتهم من قلوبهم، فيحرمهم بذلك من محبتهم، وصالح أدعيتهم، ومن كيده أنه يغري الناس بتقبيل يد العالم أو الزاهد، والتمسح به، والثناء عليه وسؤاله الدعاء حتى يرى نفسه، ويعجبه شأنها، فيفرح بذلك، ويقع في قلبه حتى يظنه حقًا، وذلك الهلاك كله، وهو شر من أرباب الكبائر.
ومن كيده الذي بلغ به من الجهال ما بلغ الوسواس الذي كادهم به في أمر الطهارة والصلاة عند عقد النية، حتى ألقاهم في الآصار والأغلال، وأخرجهم من السنة إلى البدعة، وخيل لبعضهم أنما جاءت به السنة لا يكفي حتى يضم إليه غيره، فجمع لهم بكيده العظيم، ومكره الخبيث، بين هذا الظن الفاسد، والتعب الجاري ببطلان الأجر أو نقصه.