فالجواد حكيم يضع العطاء مواضعه، ويتوخى بماله أداء هذه الحقوق على وجه الكمال، طيبةً بذلك نفسه، راضيةً، مؤملةً للخلف في الدنيا، والثواب في العقبى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩].
أما المسرف المبذر، فقد يصادف عطاؤه موضعه، وكثيرًا لا يصادفه، فإنه يبسط يده في ماله بحكم هواه وشهوته جزافًا، لا على تقدير ولا مراعاة مصلحة وإن اتفقت له: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧].
فالأول: بمنزلة من بذر حبًا في أرض خصبة، فأنبتت من كل زوج بهيج.
والثاني: بمنزلة من بذر حبه في أرض سبخة.
والله سبحانه هو الجواد على الإطلاق، بل كل جود في العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى جوده أقل من قطرة في بحار الدنيا، وهو من جوده، ومع هذا فالله إنما ينزل الرزق بقدر ما يشاء، وجوده لا يناقض حكمته، ويضع العطاء مواضعه وإن خفي على أكثر الناس أن تلك مواضعه، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم حيث يضع فضله، وأعلم حيث يضع هداه وتوفيقه، وأي المحال أولى به: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
فما أعظم حكمة الله في عطائه ومنعه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٣٠].