والله سبحانه هو الرزاق، الذي عند خزائن الأرزاق كلها: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
فالله هو الرزاق الذي يرزق من يشاء من عباده، ويحث على الإنفاق في سبيل الله، فيبدأ عبده بالحظ والتأليف والترغيب، لا بالفرض والتكليف، ويشعره بأن الله يضاعف له أجر ما أنفق، يضاعف من رزقه الذي لا يعلم أحد حدوده، ويضاعف من رحمته التي لا يعلم أحد مداها، ويطمئنه أنه في إنفاقه لا يعطي بل يأخذ، وأن ماله لا ينقص، بل يزيد كلما أنفق، كما تعطي الحبة إذا أودعها في الأرض سبعمائة حبة كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢].
والمن والأذى يحيل الإنفاق سمًا ونارًا، يمحق الإنفاق، ويمزق الشمل، ويثير السخائم والأحقاد، والمن عنصر كريه لئيم، النفس البشرية لا تمن بما أعطت إلا رغبةً في الاستعلاء، أو رغبةً في إذلال الآخر، أو رغبةً في لفت أنظار الناس، فالمن يحيل الصدقة أذىً للواهب وللآخذ على حد سواء، أذىً للواهب بما يثيره في نفسه من كبر وخيلاء، ورغبة في رؤية أخيه ذليلًا له، كسيرًا لديه، ربما يملأ قلبه بالنفاق والرياء والبعد من الله، وهو أذى للآخذ بما يثيره في نفسه من انكسار وانهزام، ومن رد فعلٍ بالحقد والانتقام، ومن هنا يبطل الثواب والأجر بالمن والأذى كما قال سبحانه: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا