إن كفار مكة يظنون أن الدين كالتجارة، فهم على استعدادٍ للتخلي عن كثيرٍ من تصوراتهم في مقابل أن يتخلي النبي ﷺ عن بعض ما يدعوهم إليه، وربه ينهاه عن ذلك بقوله: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم: ٨ - ٩].
فهي المساومة إذًا؛ كما يفعلون في التجارة، وفرق كبير بين العقيدة والتجارة، فصاحب العقيدة الإيمانية لا يتخلى عن شيء منها أبدًا، فهم يريدون من النبي ﷺ أن يترك سب آلهتهم، وتسفيه عبادتهم أو يتابعهم في شيء مما هم عليه، ليتابعوه في دينه، ولكن الرسول ﷺ كان حاسمًا في موقفه من دينه، لا يداهن فيه ولا يلين، وهو فيما عدا الدين ألين الخلق جانبًا، وأحسنهم معاملة، وأبرهم بعشيره، وأحرصهم على اليسر: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فأما الدين فهو الدين، وهو فيه عند توجيه ربه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ١ - ٦].