للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولم يساوم في دينه، وهو في أحرج المواقف في مكة، وهو محاصراً في دعوته، وأصحابه القلائل يتخطفون، ويعذبون، ويؤذون في الله أشد الإيذاء، وهم صابرون محتسبون، ولم ينطق بكلمةٍ واحدة، ينبغي أن تقال في وجوه الأقوياء المتجبرين، تأليفًا لقلوبهم، أو دفعًا لأذاهم.

وساوموه على أن يعبد ما يعبدون، وهم يعبدون ما يعبد، فحسم الله هذه المساومة المضحكة بقوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)[الكافرون: ١ - ٦].

ولقد واجه الملأ من قريش رسول الله بكل أذى، بالقول وبالفعل، وعرضوا عليه عروضًا مغرية، لعله أن يقبلها، ويترك ما جاء به من الدين والحق.

واتهموه تارةً بالسحر، وتارةً بالكذب، وتارةً بالشعر، وتارةً بالكهانة، وتارةً بالجنون، ولكنه لم يبالي بالعروض، وصبر على السَّبِّ والأذى، ومضى يدعو إلى الله، حتى أظهر الله دينه، وجاء الحق وزهق الباطل: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)[الروم: ٦٠].

وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)[الطور: ٤٨].

والله سبحانه يأمر رسوله بأداء الرسالة للبشرية، وينهاه عن طاعة أحد من هؤلاء الملأ المكذبين، ويصفوه بالصفات المزرية المنفرة، وهو الوليد بن المغيرة، أحد كبار طغاة قريش، له مواقف مشهورة وكثيرة في الكيد لرسول الله ولدينه، وتهديد أصحابه، والوقوف في وجه الدعوة إلى الله، والصَّدِ عن سبيل الله، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ

<<  <  ج: ص:  >  >>