للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الذي قل من لا استقى من بحره، أو اغترف غرفة بيده من نهره (١)، أو جاء بعده من القرّاء مجيد إلا وقصيدته "حرز الأماني" تميمة (٢) معلقة على نحره.

ولد في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وقرأ ببلده القراءات، وأتقنها، ثم ارتحل إلى بلنسية - وهي قريبة من شاطبة - فعرض بها القراءات والتفسير من حفظه، وسمع الحديث، وارتحل ليحج (٣)، واستوطن مصر، واشتهر اسمه، وبعد صيته، وقصده الطلبة من النواحي، وكان إماما علامة


(١) أخذه من قوله تعالى ﴿قالَ إِنَّ اَللّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلّا مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة]: ٢٤٩.
(٢) التميمة: ما يعلق في العنق للظن في دفع الأذى أو الحسد وقد جاء عن النبي قال: "من علق تميمة فلا أتم الله له" (خ). المكنز الكبير. (١٠٤٩) / ٤٦٧/ وهو يريد أن يقول: هي محفوظة لديه في صدره كما لو كانت تميمة معلقة. والتميمة: حرز، أو قلادة تعلق في الرأس، كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات، وقد اعتبرها رسول الله من الشرك، وذلك لأنهم أرادوا دفع المضار، وجلب المنافع من عند غير الله، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله، وكلامه، فقد ثبت استعمال ذلك قبل وقوعه، وبعده، وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: - أن يكون بكلام الله تعالى، أو أسمائه، وصفاته. وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره. وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، وإنما بأمر الله تعالى.
فلا بد من اعتبار الشروط الثلاثة ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك"
ولمسلم من حديث جابر" نهى رسول الله عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم، فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب، قال فعرضوا عليه، فقال: ما أرى بأسا، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه ". ينظر في تفصيل ذلك كتب الفقه والحديث المختلفة. ومن ذلك كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري. ١٠/ ٢٠٥ - ٢١٣.
(٣) سبب انتقاله من بلده: أنه أريد على الخطابة، فاحتج بالحج، وترك بلده، ولم يعد إليها تورعا مما كانوا يلزمون الخطباء من ذكرهم الأمراء بأوصاف لم يرها سائغة، وصبر على فقر شديد السير.

<<  <  ج: ص:  >  >>