وتفقه بالمدنيين والمصريين من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه بمالك وملازمته له، وكان مالك يسميه عاقل الأندلس، وكان سبب ذلك فيما روي:
أنه كان في مجلس مالك مع جماعة من أصحابه فقال قائل: قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه ولم يخرج يحيى، فقال له مالك: ما لك لا تخرج تراه، لأنه لا يكون بالأندلس؟ فقال: أنا جئت من بلدي لأنظر إليك، وأتعلم منك هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل. فأعجب به مالك وسماه/ (ص ٢٣٤) عاقل الأندلس. ثم إن يحيى عاد إلى الأندلس وانتهت إليه الرئاسة بها، وبه انتشر مذهب مالك في تلك البلاد، وتفقه به جماعة لا يحصون عددا، وروى عنه خلق كثير، وأشهر روايات الموطأ وأحسنها روايته، وكان مع إمامته ودينه معظما عند الأمراء، مكينا عفيفا عن الولايات، متنزها، جلّت رتبته عن القضاء، فكان أعلى قدرا من القضاة عند ولاة الأمر هنالك لزهده في القضاء،
(١) عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري بالولاء، المصري أبو محمد فقيه من الأئمة، جمع بين الفقه والحديث والعبادة، صحب الإمام مالك عشرين سنة، وقال الإمام مالك في حقه: عبد الله بن وهب إمام. صنّف ((الموطأ الكبير)) و ((الموطأ الصغير)) كتب إليه الخليفة في قضاء مصر فأخفى نفسه، فقيل له: ألا تخرج إلى الناس فتقضي بينهم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ؟ فقال: أما علمت أن العلماء يحشرون مع الأنبياء وأن القضاة يحشرون مع السلاطين؟ كان مولده في ذي القعدة سنة خمس وعشرين ومائة بمصر، وتوفي بها يوم الأحد لخمس بقين من شعبان سنة سبع وتسعين ومائة .. وفيات الأعيان ٣/ ٣٦، والأعلام ٤/ ٢٨٩، وتهذيب التهذيب ٦/ ٧١. (٢) عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي القرشي أبو محمد من سادات أهل المدينة فقها وعلما وديانة وحفظا للحديث، روى عن أبيه وابن المسيب وعبد الله بن عبد الله بن عمر وسالم وغيرهم. قال مالك: لم يخلف أحد أباه في مجلسه إلا عبد الرحمن. ولد في حياة عائشة ﵂، وتوفي بالشام سنة ١٢٦ هـ وقيل غير ذلك. انظر الأعلام ٤/ ٩٧. وتهذيب التهذيب ٦/ ٢٥٤.