وامتناعه منه، قال ابن حزم (١): مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان مذهب أبي حنيفة، فإنه لما ولّى قضاء القضاة أبو يوسف (٢)، كانت القضاة من قبله فكان لا يولي قضاء البلدان من أقصى المشرق إلى أقصى إفريقية إلا أصحابه ومن انتمى إلى مذهبه، ومذهب مالك بن أنس عندنا في بلاد الأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكينا عند السلطان مقبول القول في القضاة، وكان لا يلي قاض في أقطار بلاد الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه، ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا، فأقبلوا على ما يرجون به بلوغ أغراضهم به على أن يحيى بن يحيى لم يل القضاء قط ولا أجاب، وكان ذلك زايدا في جلالته عندهم، وداعيا إلى قبول رأيه لديهم.
وقال أحمد بن أبي الفياض (٣): كتب الأمير عبد الرحمن بن الحكم (٤)
(١) ابن حزم: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، تقدمت ترجمته ص ٥٧٠ هامش ٣، وترجم له المصنف. (٢) أبو يوسف - صاحب أبي حنيفة - هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حبتة الأنصاري، كان فقيها عالما حافظا، جالس محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثم جالس أبا حنيفة النعمان بن ثابت، كان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة، وخالفه في مواضع كثيرة. روى عنه محمد بن الحسن الشيباني وغيره، وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وآخرون. كان من أهل الكوفة ثم سكن بغداد، وتولى القضاء لثلاثة من الخلفاء المهدي وابنه الهادي ثم هارون الرشيد، وكان عنده حظيا مكينا، هو أول من دعي بقاضي القضاة، ويقال هو أول من غيّر لباس العلماء ليتميزوا من العامة فيسألوا، هو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة. كانت ولادته سنة ثلاث عشرة ومائة هجرية. وتوفي يوم الخميس لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائة. ببغداد. وفيات الأعيان ٦/ ٣٧٨ وما بعدها. الأعلام ٩/ ٢٥٢. (٣) أحمد بن أبي الفياض: لم أجد له ترجمة. (٤) الأمير عبد الرحمن بن الحكم المرتضى صاحب الأندلس: رابع ملوك بني أمية في الأندلس، بويع سنة ٢٠٦ هـ بقرطبة بعد وفاة أبيه، بنى مسجد إشبيلية وسورها، نظم الجيش، كانت أيامه أيام سكون وعافية، له غزوات كثيرة، كان عالي الهمة، أديبا ينظم الشعر مطلعا على علوم الشريعة، يشبّه بالوليد بن عبد الملك في سياسته وتأنقه، مدة ولايته إحدى وثلاثون سنة، توفى بقرطبة -