في فايت الحقب، وجعل إلى أذية (١) من عرفه أو قال به أعظم سبب بأضعف سبب، ليحفوا (٢) تلك الأنساب الدعية المدخولة، ويطيروا بقوادم تلك الأحساب الوضيعة المرذولة، فقام مشمرّا للعزائم مجاهرا لا ترده اللوائم، حتى أحيا ميت السّنّة، وأمات حيّ البدعة، وفعل ما شكر الله له والإسلام عليه صنعه، وكأنما كان ممهّدا لبني أيوب (٣) ومقدما لمآثرهم التي أقسمت الأيام أنها بمثلها لا تؤوب.
رحل في طلب الحديث ولقي أعيان المشايخ، وكان شافعي المذهب، ورد بغداد واشتغل بها على الكيا الهرّاسي (٤) في الفقه، وعلى أبي زكريا (٥) يحيى
(١) أذية: إيذاء، أي كانوا يؤذون أهل الحديث والنسب بأدنى سبب. (٢) أحفوا: بمعنى أحاطوا وعكفوا، ذلك لرفع شأن ذاك النسب المرذول. (٣) بنو أيوب: الجد الأعلى للأيوبيين وينتسبون إليه وهو أيوب بن شاذي بن مروان بن أبي علي بن عنترة بن الحسن بن علي بن أحمد، منتسبون إلى بلدة (دوين) وأهلها أكراد (روادية) وهي بطن من الهذبانية، من كبرى القبائل الكردية. ومولد أيوب والد صلاح الدين بدوين، ثم نزلوا بغداد واستوطن تكريت، ومات شاذي جد صلاح الدين بها. انظر وفيات الأعيان ٧/ ١٣٩ في ترجمة صلاح الدين الأيوبي. والأعلام ٩/ ٢٩١. وقد أسلفت ترجمته في ص ١٣٣ هامش ٣. (٤) الكيا الهراسي: هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري، الملقب عماد الدين، المعروف بالكيا الهراسي. الفقيه الشافعي، تفقه على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، تولى التدريس في المدرسة النظامية ببغداد إلى أن توفي. كان محدثا، مما ينقل من كلامه: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهاب الرياح. له كتاب أحكام القرآن فسر فيه آيات الأحكام على مذهب الإمام الشافعي. توفي عام أربع وخمسمائة ببغداد ودفن في مقبرة أبي إسحاق الشيرازي. انظر وفيات الأعيان ٣/ ٢٨٦، شذرات ٤/ ٨، البداية والنهاية ١٢/ ١٧٢، طبقات الشافعية الكبرى ٧/ ٢٣١. (٥) أبو زكريا يحيى التبريزي: يحيى بن علي بن محمد الشيباني التبريزي أبو زكريا، من أئمة اللغة والأدب، أصله من تبريز، نشأ ببغداد ورحل إلى بلاد الشام، ومصر ثم رجع إلى بغداد فقام على خزانة الكتب في المدرسة النظامية. من كتبه (شرح ديوان الحماسة لأبي تمام) (تهذيب إصلاح -