للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأصول والفروع القدم العالي، وفي شرف الدين والدنيا المجلس السامي، والحظ الرفيع عند الإمامين: القادر، والقائم . وأصحاب الإمام أحمد له يتبعون، ولتصانيفه يدرسون، ويدرّسون، وبقوله يفتون، وعليه يعوّلون، والفقهاء - على اختلاف مذاهبهم وأصولهم - كانوا عنده يجتمعون، ولمقاله يسمعون، ويطيعون، وبه ينتفعون، وبالائتمام به يقتدون، وقد شوهد له من الحال ما يغني عن المقال، لا سيما مذهبه، واختلاف الروايات عنه، وما صحّ لديه منه، مع معرفته بالقرآن وعلومه، والحديث، والفتاوى، والجدل، وغير ذلك من العلوم، مع الزهد، والورع، والعفة، والقناعة، وانقطاعه عن الدنيا وأهلها، واشتغاله بتسطير العلم وبثّه، وإذاعته (١).

ولما خرج ابن حامد (٢) إلى الحج سنة اثنتين وأربعمائة، سأله محمد بن علي المقرئ: على من يدرس؟. وإلى من يجلس؟. فقال له: إلى هذا الفتى، وأشار إلى القاضي أبي يعلى.

وكان لابن حامد أصحاب كثير، فتفرّس في أبي يعلى ما أظهره الله تعالى عليه (٣).

وكان فيه صبر على المكاره، واحتمال لما يلحقه من عدوّ، وزلل إن جرى من صديقه، وتعطّف بالإحسان على الكبير والصغير، ويصطنع المعروف مع القاصي والداني، ويجري على سنن الإمام أحمد حذو القذة بالقذة (٤)، ولم يزل على طول الزمان يزداد جلالة، ونبلا، وعلما، وفضلا (٥).

وحضر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة في دار الخلافة، في أيام القائم بأمر الله، مع الجم الغفير، والعدد الكثير، مع أهل العلم لفساد قول أجري من المخالفين لمّا


(١) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ٢/ ١٩٧.
(٢) يعني الحسن بن حامد السابق الذكر قبل قليل.
(٣) المرجع السابق ٢/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٤) القذّة: بالضم: ريش السّهم، جمعه: قذذ. قاله في القاموس.
(٥) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلي ٢/ ١٩٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>