يجلس فوق الشافعي صاحب المنصب، ويهمي حتى على ربعه المخصب، وكان خيرا كله، وسحابا في كل مكان يحله، لا جرم أن أيامه انقضت أقصر من جناح الذبابة، وأقرب مما بين الوسطى والسبابة، ويقال: إنه كان يحكم على الجان!، ويحكى عنه في هذا مثل حكايات المجّان، وعلى الجملة كان فردا لا يخلف، ولابس حلل فخار مثلها لا يخصف، لعلم مغدق، وعمل مصبح ومغبق، وكرم مليء الوفاض، وخط كوشي الرياض، إلى رأفة أندى من السحاب، وبصيرة أهدى من الشهاب، وورع عفّ به عن أكثر الحلال، وزهد كان لا يرى الإكثار إلا في الإقلال، فما عدا سيرة السلف، ولا عدا طريقة الاقتصاد خوفا من السرف.
مولده: سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وسمع حضورا قبل الستمائة، وسمع من حنبل المسند كله، وأكثر عن ابن طبرزد، وتلك الطبقة، وطلب الحديث، وقرأ على الشيوخ، وتفقّه بعمه الشيخ موفق الدين، وعرض عليه" المقنع "، وعمل له شرحا في عشر مجلدات (١).
وكان كبير الشأن، بعيد الصّيت، منقطع القرين، له وقع في النفوس، ومحبة في القلوب، جميل الصورة، حسن البشر، وافر الجلالة، سريع الحفظ والفهم، بديع الكتابة، كثير التعبد والصيام، والتهجد والسكينة والتودد، وحسن الأخلاق والصفات الحميدة، قلّ أن ترى العيون مثله، ليس بالطويل، ولا بالضخم، أزهر اللون، مشربا بحمرة، واسع الوجه، أزجّ (٢) الحاجبين، أقنى (٣)، أشهل (٤)، رقيق البشرة، كثّ اللحية، مقتصدا في ثيابه، صغير العمامة، يرسل
(١) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/ ٣٠٤. (٢) جاء في صفته ﷺ: " أزجّ الحواجب ": الزّجج: تقوّس في الحاجب مع طول في طرفه وامتداد. قاله في النهاية. (٣) أي ارتفع أنفه واحدودب وسطه، وسبغ طرفه، وقيل: نتأ وسط قصبته وضاق منخراه فهو أقنى. (٤) جاء في صفته ﷺ: " كان أشهل العين الشّهلة: حمرة في سواد العين كالشّكلة في البياض.