للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عذبته بين يديه، يدخل إلى البلد للفصل بين الخصوم، فيركب دابته، وكان يقوم الليل ويصلّي الضحى، وبين العشاءين، ويبلغه الأذى فيغضي ويحلم، فقلّما انتقم لنفسه، وكان يقبل جوائز الدولة فيفرقها على الفقراء والتلاميذ، وحجّ ثلاث مرات، وغزا عدة غزوات، نوبة صفد، ونوبة الشقيف، وحصن الأكراد، قد جمع الله الألسنة على تعظيمه، وتوقيره، وولي القضاء اثنتي عشرة سنة، لم يتناول عليه رزقا، ثم تركه (١).

قال الفخر أبو محمد عبد الرحمن البعلبكي: أعرفه منذ خمسين سنة ما رأيته غضب.

وكان الشيخ محيي الدين النووي يقول: هو أجلّ شيوخي.

وقد أثنى عليه الموافق والمخالف. توفي شهيدا بالبطن، في سلخ ربيع الآخر، سنة اثنتين وثمانين وستمائة، عن خمس وثمانين سنة، وأربعة أشهر. وكانت جنازته مشهودة، كان الجمع يفوت الإحصاء، ورثته الشعراء بعدة قصائد، ودفن عند والده بسفح قاسيون (٢).

قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: رأيت وفاته بخط شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: توفي شيخنا الإمام، سيد أهل الإسلام في زمانه، وقطب فلك الأنام في أوانه، وحيد الزمان حقا حقا، وفريد العصر صدقا صدقا، الجامع لأنواع المحاسن والمعالي، البريء عن جميع النقائص والمساوي، القارن بين خلتي العلم والحلم، والحسب والنسب، والعقل والفضل، والخلق والخلق، ذو الأخلاق الزكية، والأعمال المرضية، مع سلامة الصدر والطبع، واللطف والترفق، وحسن النية، وطيب الطوية، حتى إن كان المتعنّت يطلب له عيبا فيعوزه، إلى أن قال: وبكت


(١) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦، وتاريخ الإسلام للذهبي ٥١/ ١٠٨ - ١٠٩.
(٢) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/ ٣٠٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>