للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ورمّم المتماسك، وأمسك المتداعي، ونهض نهضة عازم، وقام مقاما لم يقمه غيره، وفعل وقال، ولم يخش إلا الله.

وكانت امرأة مات أبوها، وخلّف لها عقارا صالحا، فأراد كافل الممالك تنكز أن يزوجها من مملوك له، وكانت هي لا تريد، إلا ابن خال لها، وكان دونها في الملاءة (١) مع كفاية.

فغضب تنكز لذلك وبعث ينكر عليه، وقال: كيف زوجت هذه بمن هو دونها؟.

فقال لرسوله: قل له: مثلما زوّجت أنت مملوكك ببنت بيبرس العلائي.

وكان بيبرس العلائي من كبار الأمراء النواب.

فلما أعيد عليه الجواب، زاد غضبه، ولم يقدر يتكلم.

وكان يصدع بالحق، ولا يخاف لومة لائم، وولي القضاء، ومذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى قد مات بموت العلماء، وخمل بقلة الفقهاء، فأحيا المذهب، وجعل هذا دأبه، وحلّ أوقاف مدارسه المضمونة، وعمرها، وثمرها، حتى نمت متحصلاتها، وتضاعفت أجورها، وكثرت غلاتها، وأقام عليها الأمناء، وولي أمورها للكفاة، وتولاها بالعفاف والخبرة، حتى درّت إدراراتها وتسهّلت أرزاق الطلبة، ثم جعل لكل من عرض عليه كتابا في الفقه على مذهبه، أو في الحديث، أو في النحو، جعالة (٢)، وجعل جعالة كل كتاب على قدره، فانصرفت الهمم إلى الاشتغال بالعلم، وكثرت الطلبة، فلم يمض مدة حتى صلح منهم جماعة للإفتاء، وبلغت طائفة منهم درجة الانتهاء، وتصدى بنفسه للجلوس للإشغال والعرض عليه، ومقابلة الكتب. وكان يسمح لمن عرض


(١) أي الغنى والتوسق.
(٢) الجعالة: ما يجعل من أجر على العمل.

<<  <  ج: ص:  >  >>