للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عليه ويوصيه ليزداد رغبة، وأخذ بقلوب الكبراء ورؤساء البلد، وقدم أماثل أبنائهم، واستشهد عليه أهل الخير منهم، فمالوا كلهم إليه، وأجمعوا - دون قضاة بقية المذاهب - عليه، وصار مجلسه مجلس الحكم والقضاء بدمشق، وصار مذهبه أظهر المذاهب، وكثر فيه أهل الإفتاء، وعلت سمعتهم، وجرى ذكره على لسان الخاص والعام، وضرب به المثل، وتقرب إلى الله بصالح العمل.

وكان مدة ولايته كلها على حاله الأول، متقلّلا من الدنيا، غير متكثر منها، ولا مكترث بها، ينزل من الجبل إلى المدينة ماشيا برجله، ويطلع من المدينة إلى الجبل كذلك، فإن وجد تعبا اكترى دابة من حمير الكراء، يركب عليها بالأجرة، ويمشي والمئزر تحت إبطه، يفرشه في مجلس الحكم، ويجلس عليه، وتقدم له محبرة من زجاج، هي دواته التي يكتب منها، ويأكل مأكل الفقراء، ويقنع بالقليل.

قال لي بعض بطائنه (١): إنه ما كان يأكل إلا من مقرر أعاده المدرسة الضيائية التي كانت بيده من قبل القضاء، لا يأكل من سواها، ولم يأخذ تدريسا، ولا استزاد لنفسه زيادة، وكان يصرف جامكية (٢) القضاء إلى زوجته، وإلى المستحقين من أقربائه، وغيرهم، ويستفضل منها ما عمر به مواضع وقفها بعده.

وكان معانا على البر، مفتوحا عليه فيه، إذا أراد بناء مسجد أو إصلاح طريق من طرق المسلمين يؤتى بمال ممن له رغبة في الخير، فيستعين به في ذلك البر، وتهيّأ له في هذا كل عجيب.

حكى لي أنه ربما أتي بمال لا يعرف من بعث به حتى صرفه في عمارة مدرسة الشيخ أبي عمرو الضيائية، وغير ذلك. وكنت على كثرة اجتماعي به، وقراءتي


(١) البطانة: صفي الرجل يكشف له أسراره.
(٢) الجامكية: أي الراتب أو ما كان يتقاضاه من أجر على وظيفته.

<<  <  ج: ص:  >  >>