للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

النحو عليه، أجلّه عن السؤال عن هذا، غير أنني كنت إذا رأيته أتوسم سيما السلف، وأرى عليه ملامح الأئمة الأوّل، وأظنّ - والله أعلم - أنه لو مدّ له في العمر، غطّت شمسه على الكواكب، وابتلع بحره السحائب، وبقي منقطع القرين.

وحجّ مرات؛ رافقته منها سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، فلم أر مثله في كثرة التواضع، وسعة الصدر، وكرم النفس، وحسن الخلق، وبشاشة الملتقى.

وحجّ بأهله في جماعة على أكمل ما يكون، وكان يدع محمله وجماله وغالب الطريق وينزل يمشي تخفيفا عن الظهر (١)، ورغبة في احتساب الخطوات، ودخل تلك الحجة قارنا، ودخلت أنا متمتعا، فلما أتينا مكة المعظّمة، وأهللت بالحج، قال لي: اعلم أنك لو مشيت من هنا إلى أن تقضي حجك، لكنت قد حججت ماشيا، كما كان الحسن بن علي يفعل، ولقد كان يحج ماشيا، والجنائب تقاد بين يديه، ففعلت، فوافقني، ومشيت أنا وهو في جماعة ممن حجّ معي، وحجّ معه، حتى أتينا نمرة، ثم أتينا عرفة، يعمل في ذلك كله بالسّنّة المأثورة، فرحمه الله، وغفر له، لقد كان سيدا كبيرا، وعالما عاملا.

ورأيت شيخنا أبا المعالي ابن الزملكاني قد كتب كتابا إلى قاضي القضاة ابن أشربون ذكره فيه، فقال: الإمام العالم الرباني، القائم بالحق.

وكان شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول - وقد ذكر عنده ما هو عليه -:

هو يد لم تؤيد بساعد.

وكان شيخ المذهب ابن الفركاح يقول: هو أنموذج السلف، وكان على هذا كله ثاقب الرأي، واري الزناد، قيّما بمصالح الدنيا، عارفا بمكايد الرجال، عالما بأخبار أهل الزمان، مقبل السمع على معرفة أحوال الناس، لا يكاد يجوز عليه


(١) الظّهر: كل ما ركب من بعير أو دابة.

<<  <  ج: ص:  >  >>