للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وحكي عن أفلاطون أنه قال: لا أدري ما الهوى؟. غير أني أعلم أنه جنون إلهيّ لا محمود ولا مذموم.

وقال جالينوس: العشق من فعل النفس، وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد، وفي الدماغ ثلاثة مساكن: التخييل: وهو في مقدّم الرأس. والفكر:

وهو في وسطه. والذكر: وهو في مؤخره. وليس يكمل لأحد اسم عاشق حتى يكون إذا فارق من يعشقه لم يخل من تخييله، وفكره، وذكره. وقلبه وكبده، فيمتنع من الطعام والشراب باشتغال الكبد، ومن النوم باشتغال الدماغ، والتخييل والذكر له، والفكر فيه، فيكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به، فمتى لم يشتغل به وقت الفراق لم يكن عاشقا، فإذا لقيه خلت هذه المساكن.

قال أبو بكر (١): ولعمري لقد أحسن فيما وصف، واحتجّ لما قال فانتصف، غير أنه ذكر حال العاشق وحده، وترك ذكر أحوال ما قبله، [وأحوال ما (٢) بعده] وذلك: أن الأحوال التي تتولّد عن النظر والسماع والاستحسان والنظر تختلف في باب العظم والصغر، فأول ما يتولد عن السماع الاستحسان، ثم يقوى، فيصير مودة، والمودة سبب الإرادة، فمن ودّ إنسانا ودّ أن يكون له خلا، ومن ودّ غرضا ودّ أن يكون له ملكا، ثم تقوى المودة فتصير محبة، والمحبة سببا للطاعة، وفي ذلك يقول محمد الوراق (٣):

تعصي الإله وأنت تظهر حبّه … هذا محال في القياس بديع

لو كان حبك صادقا لأطعته … إن المحبّ لمن أحبّ مطيع


(١) الزهرة: ١/ ٥٨.
(٢) زيادة من الزهرة.
(٣) هو محمود بن الحسن الوراق المتوفى سنة ٢٧٥، والبيتان من الديوان المجموع ١٧٤ - ١٧٥. (نقلا عن هامش الزهرة لمحققه ٥٨: ١).

<<  <  ج: ص:  >  >>