يعنّف، أو تخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، لم يتعب نفسا أحد منهم في مفاخر بلده، ولم يستعمل نقسا (١) في فضائل ملوكه، ولا بلّ قلما بمناقب كتّابه ووزرائه، ولا سوّد قرطاسا بمحاسن قضاته وعلمائه، على أنه لو أطلق ما عقل الإغفار من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه، لوجد للقول مساغا، ولم تضق عنه المسالك هنالك، ولكن همّة كل أحد منهم أن يطلب شأو من تقدّمه من رؤساء العلماء، ليحرز قصب السبق، ويفوز بقدح ابن مقبل (٢)، ويأخذ كظم ابن دغفل (٣)، ويصير شجى في حلق أبي العميثل (٤)، فإذا أدرك تلك البغية وجاءته (٥) بعد المنية، دفن علمه معه، فمات ذكره، وانقطع خبره.
ومن قدّمنا ذكره من علماء الأمصار احتالوا لبقاء ذكرهم، فألّفوا دواوين بقي لهم بها ذكر يتجدّد طول الأبد.
فإن قلت: إنه كان ذلك من علمائكم، وألفوا كتبا لكنها لم تصل إلينا، فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق، لأنه ليس بيننا وبينكم إلا روحة راكب، أو دلجة
(١) نقسا: بالقاف المعجمة: المداد الذي يكتب به. (٢) ابن مقبل الشاعر، الذي يقول في وصف قدح: غدا وهو مجدول وراح كأنه … من الصك والتقليب في الكف أفطح خروج من الغمى إذا صك صكة … بدا والعيون المستكفة تلمح انظر: ديوانه ٢٨ - ٢٩، وثمار القلوب ٢١٨. وقدح ابن مقبل يضرب فيه المثل في حسن الأثر. (عن هامش الذخيرة لمحققه إحسان عباس). (٣) ابن دغفل النسابة، من بني ذهل بن ثعلبة، وكان عالما بأنساب العرب. انظر: ديوان القطامي ٣١، واللسان، والتاج: عض. (عن هامش الذخيرة لمحققه إحسان عباس). (٤) أبو العميثل: عبد الله بن خليد، أو خالد، أو خويلد: أعرابي، خدم طاهر بن الحسين، وأدّب أولاد عبد الله بن طاهر بخراسان، وتوفي سنة ١٤٠ هجرية، انظر الفهرست لابن النديم ٥٤ - ٥٥، وطبقات ابن المعتز ٢٨٧، ووفيات الأعيان لابن خلكان ٣/ ٨٩ - ٩١. (عن هامش الذخيرة لمحققه إحسان عباس). (٥) الأصل: حازه. والإصلاح من الذخيرة.