للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الذاكر ذلك، كان الذكر يعمل بخاصيته، وما تقتضيه حقيقته".

وأنشد:

أهوى هواه وبعدي عنه يغيبه … فالبعد قد صار لي في حبه أربا

فمن رأى دنفا صبّا أخا شجن … ينأى إذا حبة من أرضه اقتربا

وقال: الذكر حجاب عن المذكور، ولكونه بمنزلة الدليل، والدليل متى أعطاك المدلول سقط عنك لتحققك بالمدلول، فمتى كنت مع المذكور فلا ذكر، ومتى رددت الباب وجب الذكر عليك، والذكر للقلب بمنزلة الصقال للمرآة، ليتحقق بالحق صفاؤه وجلاؤه.

وقال: " مثل الذاكر اللاهي كمثل من ينادي شخصا فإذا أجابه اشتغل عن سماعه، وكذلك الذاكر يأتيه المذكور فلا يجده حاضرا، وإنما الأصل المراقبة للمذكور، فمتى أجابك كنت معه، وهذا هو الأصل، والله أعلم".

وقال في معنى الحديث: (ما اتخذ الله وليا جاهلا) (١): إن معناه أن الله إذا اختصّ له وليا نوّر قلبه، فكان على بصيرة من ربه".

وقال في معنى قوله: ﴿إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ﴾ (٢) قال: قيل لي في المنام: تدري ما الواحدة؟. إنما أعظك بنفسك والباء ها هنا باء السبب.


(١) قوله (ما اتخذ الله من ولي جاهل، ولو اتخذه لعلّمه) قال في المقاصد: لم أقف عليه مرفوعا، وقال الحافظ ابن حجر: ليس بثابت، ولكن معناه صحيح، والمراد بقوله "ولو اتخذه لعلمه" لو أراد اتخاذه وليا لعلّمه ثم اتخذه وليا. وقال ابن حجر المكي في فتاواه: معنى قولهم: إن الله تعالى يفيض على أوليائه الذين انتقوا الأحكام الظاهرة والأعمال الخالصة من مواقع الإلهام والتوفيق، والأحوال والتحقيق، ما يفرقون به على من عداهم، فمن ثبتت له الولاية ثبتت له تلك العلوم والمعارف، فما اتخذ الله وليا جاهلا بذلك ولو فرض أنه اتخذه أي أهّله إلى أن يصير من أوليائه، لعلّمه. أي لألهمه من المعارف ما يلحقه به غيره.
فالمراد الجاهل بالعلوم الوهبية والأحوال الخفية لا الجاهل بمبادئ العلوم الظاهرة مما يجب تعلمه فإن هذا لا يكون وليا ولا يراد للولاية ما دام على جهله بذلك، انتهى، والله أعلم.
انظر: كشف الخفاء للعجلوني ٢/ ١٨٠ - ١٨١.
(٢) سورة سبأ - الآية ٤٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>