وَكَمُخَاطَبَةِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ بِقَولِهِم: "السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ" -وَهُم فِي جَمِيعِ المَسَاجِدِ- وَلَمْ يَكُنْ يَسْمَعُهُم وَيَرُدُّ ﵈ (١)! وَلَكِنَّهَا عِبَادَةٌ يُتعَبَّدُ اللهُ تَعَالَى بِهَا -أَي: دُعَاءَ دُخُولِ المَقَابِرِ، وَالتَّشَهُّدُ-.
وِمِثْلُهُ حَدِيثُ: ((مَنْ رَأَى مُبْتَلى؛ فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا؛ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلَاءُ)) (٢).
قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: "قَالَ العُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ هَذَا الذِّكْرَ سِرًّا بِحَيثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعْهُ المُبْتَلَى، إِلَّا أَنْ تَكُونَ بَلِيَّتُهُ مَعْصِيَةً فَيُسْمِعُهُ -إِنْ لَمْ يَخَفْ مَفْسَدَةً-" (٣).
ب- وَأَمَّا الاسْتِدْلَالُ بِتَسْمِيَةِ (زِيَارَةِ القُبُورِ) وَأَنَّ مَفَادَهَا عِلْمُ أَهْلِ القُبُورِ بِمَنْ زَارَهُم كَمَا يُزَارُ الأَحْيَاءُ! فَهُوَ قِيَاسٌ غَيرُ صَحِيحٍ مُطْلَقًا، فَكَيفَ يُقَاسُ المَيِّتُ عَلَى الحَيِّ، وَهَلْ هَذَا إِلَّا أَبْعَدُ القِيَاسِ، بَلْ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَصْلًا قَدْ سَمَّاهَا (زِيَارَةَ القُبُورِ وَلَيسَ زِيَارَةَ المَوتَى) لِأَنَّ المَزُورَ هُنَا هُوَ القَبْرُ وَلَيسَ المَيِّتَ.
وَنَقُولُ أَيضًا: إِنَّ الجَمَادَ أَيضًا تَصِحُّ تَسْمِيَةُ إِتْيَانِهِ زِيَارَةً، كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ البَيتَ فِي الحَجِّ (٤)، وَمِنَ المَعْلُومِ تَسْمِيَةُ طَوَافِ الإِفَاضَةِ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ وَهُوَ فِي المَدِينَةِ يَزُورُ قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا (٥)؛ فَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يَقُولُ:
(١) وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ كَمَا لَا يَخْفَى.وَمِنْ نَفْسِ البَابِ يُجَابُ عَنْ حَدِيثِ الضَّرِيرِ الَّذِي فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ (٣٥٧٨) -وَهُوَ صَحِيحٌ- وَسَيَأْتِي إِنْ شاءَ اللهُ فِي المُلْحَقِ الثَّامِنِ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ وهو (مُخْتَصَرُ كِتَابِ: التَّوَسُّلُ؛ أَنْوَاعُهُ؛ أَحْكَامُهُ).(٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٤٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦٠٢).(٣) فَيضُ القَدِيرِ (٦/ ١٣٠).(٤) البُخَارِيُّ (٢/ ١٧٤) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.(٥) مُسْلِمٌ (١٣٩٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.