وَإِذَا بَرَكَتْ عَلَى شَرَفٍ وَأَلْقَتْ … عَسِيبَ جِرَانِهَا كَعَصَا الْهَجِينِ (١)
يَعْنِي بِالْمَحْفِدِ: السَّنَامَ، وَالْعَسِيبُ هَاهُنَا: عَظْمُ الْعُنُقِ، وَفِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: عَظْمُ الذَّنَبِ، وَالْجِرَانُ: بَاطِنُ الْعُنُقِ، وَشَبَّهَهُ بِعَصَا الْهَجِينِ لِخِفَّتِهِ وَطُولِهِ، وَخَصَّ الْهَجِينَ لِأَنَّ الْعَبِيدَ كَانُوا يَرْعَوْنَ الْإِبِلَ وَيَسْتَجِيدُونَ الْعِصِيَّ.
وَالْأَرْطَى: شَجَرٌ تُدْبَغُ بِهِ الْجُلُودُ. وَمَعْنَى تَوَسَّدَ أَبْرَدَيْهِ: اتَّخَذَتْهُمَا كَالْوِسَادَةِ.
وَالْأَبْرَدَانِ: الظِّلُّ وَالْفَيْءُ سُمِّيَا بِذَلِكَ لِبَرْدِهِمَا، وَالْأَبْرَدَانِ أَيْضًا الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ، وَالْجَوَازِئُ: الظِّبَاءُ وَبَقَرُ الْوَحْشِ الَّتِي تَجْزَأُ بِأَكْلِ النَّبْتِ الْأَخْضَرِ عَنِ الْمَاءِ أَيْ تَكْتَفِي بِهِ، وَعَيْنٌ: وَاسِعَاتِ الْعُيُونِ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْوَحْشَ تَتَّخِذُ كِنَاسَيْنِ عَنْ جَانِبَيِّ الشَّجَرَةِ تَسْتَتِرُ فِيهِمَا مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَتَرْقُدُ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ فِي الْكِنَاسِ الْغَرْبِيِّ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ إِلَى نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ وَتَحَوَّلَ الظِّلُّ فَصَارَ فَيْئًا زَالَتْ عَنِ الْكِنَاسِ الْغَرْبِيِّ وَرَقَدَتْ فِي الْكِنَاسِ الشَّرْقِي، فَوَصَفَ أَنَّهُ قَطَعَ الْمَفَازَةَ فِي الْهَاجِرَةِ حِينَ تَفِرُّ الْوَحْشُ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ إِلَى الظِّلِّ.
وَ"إِذَا": ظَرْفُ زَمَانٍ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ غَيْر أَنَّهُ لَا يَجْزِمُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَلَا جَوَابَ لَهُ فِي هَذَا الْبَيْتِ وَلَا فِيمَا بَعْدَهُ لأَنَّ الْمُتَّصِلَ بهِ قَوْلُهُ:
كَأَنَّ مَجَازَ لِحْيَيْهَا حَكَاهُ … جَنَابَا جِلْدِ أَجْرَبَ ذِي غُضُونِ (٢)
وَأَمَّا الْجَوَابُ مَحْذُوفٌ أَغْنَى عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: "إِلَيْكَ بَعَثْتُ رَاحِلَتِي" كَمَا تَقُولُ: "أَنَا أَشْكُرُكَ إِنْ أَحْسَنْتَ إِلَيَّ" فَلَا تَأْتِي لِلشَّرْطِ بِجَوَابٍ لِأَنَّ قَوْلَكَ: "أَنَا أَشْكُرُكَ" قَدْ أَغْنَى عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ يَرْتَفِعَ الْاسْمُ بَعْدَهَا
(١) ديوان: ٣٢٤؛ الخزانة: ٢/ ٢٢٢؛ الحماسة البصرية: ١/ ٨٨؛ الأغاني: ٨/ ١٠٣؛ الشعر والشعراء: ١/ ٤٨٠.(٢) البيت للشماخ: ٣٣١.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.