وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ قَالَ فِي كِتَابِ "الْحُرُوفِ" (١): "الْعِرْضُ: الْجَسَدُ، حَكَاهُ عَن الْعُذْرِيِّ" (٢).
وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: "لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ يَجْرِي مِنْ أَعْرَاضِهِمْ" (٣) فَلَيْسَتْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْمَوَاضِعَ الَّتِي تَعْرَقُ مِنَ الْجَسَدِ أَعْرَاضًا وَمَغَابِنَ وَأَرْفَاغًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيُّ وَغَيْرُهُ (٤)، وَالْعِرْضُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْخِلافُ لَيْسَ هَذَا لِأَنَّ الْعِرْضَ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ تَقَعُ لِمَعَانٍ شَتَّى لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ اللُّغَوِيِّينَ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْعِرْضِ الَّذِي يُمْدَحُ بِهِ الْإِنْسَانُ أَوْ يُذَمُّ.
وَكَذَلِكَ بَيْتُ حَسَّانَ لَا حُجَّةَ ظَاهِرَةً فِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ: "فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَآبَائِي" فَأَتَى بِالْعُمُومِ بَعْدَ الْخُصُوصِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ (٥) فَخَصَّصَ الْمَثَانِي بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهَا ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِالْعَامِّ لَهَا وَلِغَيْرِهَا، وَقَدْ يَأْتِي الْخُصُوصُ بَعْدَ الْعُمُومِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى إِذَا قُصِدَ بِالْمُخَصَّصِ التَّنْوِيهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٦) وقَوْلِهِ: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ (٧).
ونَحْو قَوْلِ الشَّاعِرِ: (طويل)
أَكَرَّ عَلَيْهِمْ دَعْلَجًا وَلَبَانَهُ … إِذَا مَا اشْتَكَى وَقْعَ الرِّمَاحِ تَحَمْحَمَا (٨)
(١) هو "كتاب الجيم" نفسه.(٢) كتاب الجيم: ٢/ ٢٣٦.(٣) الحديث رواه البخاري: أنبياء ١ (ح ٥٥) ٤/ ٢٤٢؛ ومسلم: جنة ١٨، ٤/ ٢١٨١، والترمذي: جنة (ح ٢٦٦٠) ٤/ ٨٥؛ وابن ماجه، زهد: ٣٩ (ح ٤٣٣٣) ٢/ ١٤٤٩؛ والدارمي، رقاق: ١٠٤، ٢/ ٣٣٥.(٤) الزاهر: ٢/ ٦٢.(٥) سورة الحجر (١٥): الآية ٨٧.(٦) سورة البقرة (٢): الآية ٩٧.(٧) سورة الرحمن (٥٥): الآية ٦٨.(٨) البيت لعامر بن الطفيل في: ديوانه: ١٣٤، ل (دعلج).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.