وهؤلاء يعصون الله، ويشهدون أنهم مجبرون على أفعالهم، وأنها واقعة بغير اختيارهم، وأن الفاعل غيرهم، والمحرك سواهم، فلا ينسبون إلى أنفسهم فعلًا، ولا يرون لها إساءة، ويزعمون أن هذا هو التحقيق والتوحيد، وربما زادوا على ذلك فيرى أحدهم نفسه مطيعًا من وجه، وإن كان عاصيًا من وجه آخر؛ لموافقته المشيئة والقدر، فيقول: كما أن موافقة الأمر طاعة، فكذلك موافقة المشيئة طاعة، وأنا مطيع لإرادة الله ومشيئته، وإن كنت عاصيًا لأمره، فنعوذ بالله من الجهل وأعمال الجاهلين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
وهؤلاء أعداء الله حقًا، وأولياء إبليس وأحبائه وإخوانه، وشر خلق الله وأصحاب المشهد الأول خيرٌ منهم، وهذا المشهد بعينه هو المشهد الذي شهده المشركون عباد الأصنام، ووقفوا عنده: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ [النحل: ٣٥]
وكذلك مشهد إبليس الذي انتهى إليه حين قال لربه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠].