للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثالث: مشهد الطبيعة البشرية:

وعند هؤلاء أن الإنسان العاقل متى كان له وازعٌ من نفسه، لم يحتج إلى أمر غيره ونهيه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)[القصص: ٥٠].

الرابع: مشهد الفعل الكسبي القائم بالعبد فقط.

فلا يشهد إلا صدوره عنه وقيامه به، ولا يشهد مع ذلك مشيئة الرب له، ولا جريان حكمه القدري به، ولا عزة الرب في قضائه، ونُفوذ أمره في خلقه، فهذا المشهد وإن كان صحيحًا نافعًا له حيث يرى الذنب والعيب من نفسه، وأنه مستحق للعقوبة والنكال، وأن الله سبحانه إن عاقبه فهو العادل فيه، وأنه هو الظالم لنفسه، وهذا كله حقٌ لا ريب، لكن صاحبه ضعيف مغلوب على نفسه غير معان عليها، بل هو معها كالمقهور المخذول، فإنه لم يشهد عزة ربه في قضائه وقدره، ونفوذ أمره الكوني ومشيئته، وأنه لو شاء لعصمه وحفظه، وأنه لا معصوم إلا من عصمه الله، ولا محفوظ إلا من حفظه الله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)[الأنعام: ١٠٢].

وذلك الصنف من الناس لم يشهد أنه هو محل جريان أقضية الله وأقداره سبحانه، وأنه مسوق إليها في سلسلة إرادته وشهوته، وأن تلك السلسلة طرفها بيد غيره، فهو سبحانه القادر على سوقه فيها إلى ما فيه صلاحه وفلاحه، وإلى ما فيه هلاكه وشقاؤه: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)[هود: ٥٦].

<<  <  ج: ص:  >  >>