والانكسار والافتقار الذي حصل لقلبه، أوجب هذا كله وقليل من هذا، ونفس منه، أحب إلى الله من طاعات كالجبال، من المدلين المعجبين بعلومهم وأعمالهم وأحوالهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٦١].
وأحب القلوب إلى الله قلب تمكنت منه هذه الكسرة، وملكته هذه الذلة، ينظر إلى ربه نظر الذليل للعزيز الرحيم، ونظر الفقير العاجز إلى الغني القادر، فلا يرى في جميع أحواله إلا متعلقًا بربه، خاضعًا له، يسأله عطفه ورحمته، باكيًا بين يديه، يقول: يارب، يارب ارحم من لا راحم له سواك ولا ناصر له سواك ولا مغيث له سواك، ولا مؤوي له سواك.
الثالث عشر: مشهد العبودية والمحبة، والشوق إلى لقاء الله، والابتهاج بذكره، والفرح والسرور به:
فيأنس العبد بربه، ويسكن إليه قلبه، وتطمئن إليه جوارحه، ويستولي ذكره على لسانه، فتصير حركات اللسان والقلب والجوارح بالطاعات مكان حركاته بالمعاصي، قد امتلأ قلبه من محبة ربه، ولهج لسانه بذكره، وانقادت جوارحه لطاعته: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
والدخول على الله ﷿ من أبواب الطاعات كلها زحام، لكن الدخول عليه من باب الذل والافتقار أقرب باب إليه، وأوسعه، ولا مزاحم عليه، فلا طريق أقرب إلى الله من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الكبر والعجب، ولا ينفع مع العجب والكبر عمل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا