قدّمني الله قبلك وقاء لك، بدلا من وفائك، ولا مجازاة لك على عدلك وإحسانك (١)، ولا ملتمسا به الذريعة إليك، ولا متفضّلا به عليك، لأنّ من دعاه [إلى الوفاء لصاحبه وفاؤه، دعاه إلى الغدر جفاه، ومن دعاه](٢) العدل إلى الإنصاف دعاه الجور إلى الانتصاف، ومن دعاه إلى فعل المكرمات رغبة في المجازاة، دعاه إلى تركها ظفرة بأمنيته، أو يأسه من لحاق طلبته.
وكيف يكون متفضّلا عليك من ليست له فضيلة إلا وهي مردودة إليك، ولئن حرمت العلم بفضلك علي، مع ما حرمته من رغبتك فيّ، وميلك إلى، لقد حرمت حظا جزيلا، وخيرا كثيرا، ولكن السبب (٣) الباعث لي على طاعتك، والمذلّل لي عند سطوتك، والباسط (٤) إليّ العذر فيما تجنيه، والمعدل لك عليّ فيما تدّعيه، سبب يلطف عن أن يعاين بالإبصار، ويدقّ عن أن يدرك بالفحص والاعتبار. إن رمت إخفاءه وجد، وإن حاولت إظهاره فقد، فهو شيء منعني عن وصف جنسه اشتغالي به في نفسه، وتقطّعني مسامرته عن المسامرة [به](٥)، ويعوقني التفرد بمغازلته (٦) عن التعرض بصفاته، كما قال بعض أهل هذا العصر:
ينسى الهوى وصفه من حلّ ذروته … كالأرض يشغل عنها من ثوى فيها
لا أقول: شيئا وقع لي اضطرارا، فأقرّ بأنّي لم أكن مختارا، ولا أقول:
أوسعته (٧) لنفسي اكتسابا، فأكون إذ نفيته عن نفسي كذابا، ولا أزهد فيه
(١) الزهرة: نعمائك. (٢) ساقط من مطبوعة الزهرة. (٣) الأصل: لا سبب. (٤) الزهرة: والباسط لك العذر. (٥) زيادة من الزهرة. (٦) الزهرة: بمعاناته. (٧) الزهرة: أوقعته.