وقال أيضا: "الهجر على أربعة أضرب: هجر ملال، وهجر دلال، وهجر مكافأة على الذنوب، وهجر يوجبه البغض المتمكن في القلوب.
فأما هجر الدلال: فهو ألذّ من كثير من الوصال.
وأما هجر الملال: فيبطله مرّ الأيام والليال. إما بنأي الدار، وإما بطول الاهتجار.
وأما الهجر الذي يتولد عن الذنب: فالتوبة تذهبه من القلب.
وأما الهجر الذي يوجبه البغض الطبيعي: فهو الذي لا دواء له.
قال ابن داود (١): حدّثتني مريم الأسدية، قالت: سمعت امرأة عقيلية تقول وهي على بعير لها تسر:
سقينا سلوة فسلا كلانا … أزال (٢) الله نعمة من سقانا
قالت مريم: فسألتها عن هواها (٣)، فقالت: كنت أهوى ابن عمّ لي، ففطن لي بعض أهل الحي، فسقوني وإياه شيئا، فسلا كلّ واحد منا عن صاحبه.
قال ابن داود: وهذه حال قلّ ما يقع مثلها، وهي ألطف محلّا من كل ما ذكرناه قبلها، وما نذكره بعدها. لأنّا [إنما] نصف من آثر المقام مع من يهواه على السلو عنه، والراحة من أذاه، [وهو بعد مقيم في هواه].
وصاحبة هذا البيت تسلّت عن محبوبها، وإنما تتأسّى على العشق لا على المعشوق.
وفي هذا النحو يقول بعض الهذليين (٤):
(١) انظر: الزهرة لابن داود ١/ ٦٨ تحقيق المرحوم الدكتور إبراهيم السامرائي. (٢) الزهرة: أراك. (٣) الزهرة: خبالها. (٤) الزهرة: ٦٨: ١.