بكلام لم تفهمه، تلقّفوه من إخوانهم الخوارج، حيث تقول: لا حكم إلا لله، وكان أول بدعة لقيت في رحلتي القول بالباطن، فلما عدت وجدت القول بالظاهر قد ملأ به المغرب سخيف من إشبيلية يعرف بابن حزم، نشأ وتعلّق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة، يضع ويرفع، ويحكم ويشرع، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوه تنفيرا للقلوب عنهم، وخرج عن طريق المشبهة في ذات الله وصفاته، فجاء فيه بطوامّ، واتفق كونه بين قوم لا بصر لهم إلا بالمسائل، فإذا طالبهم بالدليل كاعوا (١)، فيتضاحك مع أصحابه منهم، وعضدته الرئاسة بما كان فيه من أدب، وبشبه كان يوردها على الملوك، فكانوا يحملونه ويحمونه، بما كان يلقي إليهم من شبه البدع والشرك، وفي حين عودي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ظلالهم لافحة، فقاسيتهم مع غير أقران، وفي عدم أنصار، [إلى حسّاد](٢) يطؤون عقبي تارة تذهب لهم نفسي، وأخرى ينكسر لهم ضرسي، وأنا ما بين إعراض عنهم، وتشغيب بهم ". وذكر كلاما في الحطّ على الظاهرية (٣).
وقال أبو محمد عبد الله بن محمد بن العربي: أخبرني ابن حزم: أن سبب تعلمه للفقه، أنه شهد جنازة، فدخل المسجد، فجلس ولم يركع، فقال له رجل:
قم، فصلّ تحية المسجد. وكان ابن ستّ وعشرين سنة، قال: فقمت، وركعت.
فلما رجعنا من الجنازة، جئت المسجد، فبادرت بالتحية، فقال لي: اجلس، اجلس، ليس ذا وقت صلاة!، يعني بعد صلاة العصر.
(١) يقال: كعّ الرجل عن الشيء يكعّ كعّا فهو كاعّ، إذا جبن وأحجم. (٢) ساقطة من الأصل المخطوط. (٣) تاريخ الإسلام ٣٠/ ٤٠٧ - ٤٠٨.