للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فانصرفت حزينا، وقلت للأستاذ الذي رباني: دلّني على دار الفقيه أبي عبد الله بن دحون، فقصدته وأعلمته بما جرى عليّ. فدلّني على" الموطأ ". فبدأت به عليه قراءة، ثم تتابعت قراءاتي عليه وعلى غيره ثلاثة أعوام، وبدأت بالمناظرة (١).

ثم قال ابن العربي: صحبت ابن حزم سبعة أعوام، وسمعت منه جميع مصنفاته (٢).

وقال أبو مروان بن حيان: كان ابن حزم حامل فنون من حديث وفقه، وجدل، ونسب، وما يتعلق بأذيال الأدب، مع المشاركة في أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة، وله كتب كثيرة لم يخل فيها من غلط لجرأته في التّسوّر على الفنون، لا سيما المنطق، فإنهم زعموا أنه زلّ هناك، وضلّ في سلوك المسالك، وخالف أرسطو واضعه - مخالفة من لم يفهم غرضه ولا ارتاض.

ومال أولا إلى مذهب الشافعي، وناضل عنه، حتى وسم به، فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء، وعيب بالشذوذ، ثم عدل إلى الظاهر، فنقّحه، وجادل، ولم يك يلطّف صدعه بما عنده بتعريض ولا بتدريج، بل يصكّ به معارضه صكّ الجندل، وينشقه إنشاق الخردل، فتمالأ عليه فقهاء وقته، وأجمعوا على تضليله، وشنّعوا عليه، وحذّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامّهم من الدنوّ منه، وطفق الملوك يقصونه، ويسيّرونه عن بلادهم، وهو في ذلك غير مرتدع، ولا راجع، يبث علمه في من ينتابه من بادية بلده من أصاغر الطلبة، يسمعهم ويفقّههم، ويدارسهم.


(١) سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٩٩، وتاريخ الإسلام ٣٠/ ٤١١.
(٢) معجم الأدباء ١٢/ ٢٤٠ - ٢٤٣، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١١٥٠ - ١١٥١، ولسان الميزان ٤/ ١٩٩، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ١٩٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>