"ولو لم يعلم لنا خبر، ولا ظهر منا أثر، وبقينا لا يعرف مكاننا، إلا بإخراج قسمة الأقاليم لنا، والحاجة في الجغرافيا إلى ذكر صقعنا، لكان عذرنا في التقصير عن اشتهار الفضل لائحا، وإن كان نهجنا إلى أخذه والعلم به واضحا، وإن كان كتب بإطلاق قولك هذا قد جاهرتنا، وحقك - بالظلم مجاهرة أنا أعجب كيف انقاد كريم طبعك لها، وأعجب أيضا من بخوعي (١) لك، ووقوفي عن الانتصاف منك، وأنا أعلم أنّ عندكم لنا تواليف، تطيرون بها، وأشهد بتقصير أربابها فيها، وإن ودّا عقل لك لسانين ولم يجر إلا بما تؤثره وتختاره بناني، لودّ يفضح الروض في حزنه، برائق حسنه، ورضوى (٢) هضبه، بثقل وزنه، ونوء السماك في هتنه، بوابل مزنه، وما هي إلا شيمة قديمة فيكم أهل الجهة الظاهرة أعلامها، الباهرة علومها وأفهامها".
ثم خرج أبو المغيرة في رسالته هذه إلى التطويل، وبالغ في الاحتجاج بفصول هي عادلة عن هذه السبيل، وختمها بذكر جملة من تواليف أهل الأندلس، أضربت عن تسميتها لشهرتها (٣).
ومنه قوله: " … فعفى تلك الآثار ما سال من عذاره، وطمس ليل اللحية ما كان أشرق من نهاره، لا جرم لقد بقيت خيلان (٤) كالآثار الدالّة على الديار، والحلي السقيط المخبر عن بين الخليط، وإذا تأمّلتها وقد اشتمل الشعر عليها، وزحف من كل جانب إليها، ذكرت قول أبي الطيب (٥):
(١) بخع: أقرّ وأذعن. (٢) الأصل: ويرضوي وأثبتناه من الذخيرة. (٣) المرجع السابق، ١٣٨ - ١٣٩. (٤) خيلان: جمع خال (معروف). (٥) انظر: ديوان المتنبي ١١١ (عن هامش الذخيرة).