ألا لا أرى مثل امترائي في رسم (١) … توهمه عيني ويرفضه وهمي
أتت صورة الأشياء بيني وبينه … فظنّي كلا ظنّ، وعلمي كلا علم
وقفت - كلأك الله - وأنت عين التمام، وعلم الأعلام، على كتاب عنوانه باسمك، أسمال كأنه طلل بال، فكلّما هززته هوّم، أو سألته استعجم، معنى كصدي الإنسان، ولفظ كمنهجات (٢) الأكفان، وأغراض لا يدب فيها بسهم مقرطس، وإظلام لا وضح فيه لصبح متنفس، ورطانة تمجّها الأسماع، وتجتويها الطباع، فأقمت متبلدا، وعدت على نفسي وقريحتي متردّدا، فقالتا: أفق أيها الإنسان، لست بالنبي سليمان، متى وعدناك أن نفهمك كلام الحكل (٣) وسرار النمل؟. ألم نسلك بك في شعاب الكلام فتغلغلت؟. ألم تسر في صحرائه فأوغلت؟. ألم تجر في ميدانه فسبقت؟. ألم تنر في ظلمائه فأشرقت؟. هل أحسست بنكول جنان؟. أو قصور لسان، فيما نظمت كالعقود، عليترائب الفتاة الرود؟. ونثرت كالنجوم في صفحة الليل البهيم؟.
قلت: بلى. قالتا: فأعرض عن رطانه الزّط (٤)، وصفير البط، ولا تعج على طلل بائد، ودار قد أتى الله بنيانها من القواعد.
فقلت: أسرفتما طاعنتين، إنّ كاتب الصحيفة لندرة الزمان، ولعالم نوع الإنسان، إلا أنه ربما كذب العنوان، ونحل ذلك الهذيان، فأعدت النظر، فإذا بك - أبا محمد - صاحبه، كتاب مبني على الظلم العبقري، والبهتان الجلي، ومكابرة العيان، ومدافعة البرهان، قد طمس الله أنواره، وأظهر عواره (٥)، فجاء
(١) الأصل: الا لا أرى مثل امتري اليوم في رسم. (٢) نهج نهجا: الثوب بلى. (٣) الحكل، بالضم: ما لا يسمع صوته، كالذّرّ، واسم لسليمان، على نبينا وعليه الصلاة والسّلام. (٤) قال في اللسان: الزّطّ إعراب جتّ بالهندية، وهم جيل من أهل الهند. (٥) العوار، مثلّثة: العيب، والخرق.