كالفلاة العوراء، لا ماء ولا شجر، والليلة الظلماء، لا نجم ولا قمر".
وفي فصل منها (١):
"فاستقصرت من دفع إليّ كتابك، فقلت: من لي بمثل غاشيتك من هذه العصابة؟، وبأشباه الملمين بك من تلك البابة (٢)؟. ونسيت - أبا محمد - حاشيتك وشيعتك، التي صرت رئيس مدارسهم، وكبير أحراسهم، تحدثهم عما كان فيهم من العبر، وتخبرهم بما تعاقب عليهم من الصفا والكدر، فتارة عن السامري والعجل، وتارة عن القمل والنمل، وطورا تبكيهم بحديث التيه، وطورا تضحكهم بقوم جالوت وذويه، حتى كأنّ التوراة مصحفك، وبيت الحزان معتكفك، وأنا بمعزل، وأنت تحدّث وتقول وتعجبت من حرصي ونسيت نفسك - أبا محمد - حين قطعت البيداء تبلك السماء، وترعدك الجربياء (٣)، وفي وقت تمكن فيه الحيوان، وأحقّها بالكمون نوع الإنسان، لترث حيا قائما على حاله، مالكا لماله، يدعو الله عليك، إن استطلت عمره، ونعيت إليه نفسه".
وفي فصل منها (٤):
"ومن ظريف ما في كتابك قولك: أقصرها وأناخها، ومن أين نفد بصرك حتى همزتها همز عامر بن الطفيل قرنه في سواد الليل؟. وما أظنك جعلتها إلا تميمة لتلك القطعة الكريمة، امتثالا لقول القائل:
ما كان أحوج ذا الكمال إلى … عيب يوقيّه من العين
(١) الذخيرة ج ١ ق ١/ ١٦٣. (٢) يقال: هذا من بابة كذا، أي: مما يصلح له، ويشاكله. وفي الأصل «اللبانة». (٣) الجربياء: الريح التي تهب بين الجنوب والصبا، وقيل: هي النكباء التي تجري بين الشمال والدبور، وقيل: هي ريح شمالية باردة. انظر: اللسان "جرب". (عن هامش الذخيرة لمحققه). (٤) الذخيرة ج ١ ق ١/ ١٦٣ - ١٦٤.