- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ العَبْدُ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى وَكَتَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُ؛ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَو مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ فَلِمَاذَا العَمَلُ؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ عِلْمَ اللهِ تَعَالَى هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى عَظَمَتِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ بِعَمَلِ العَبْدِ، فَاللهُ تَعَالَى عَلِمَ مَا سَيَكُونُ وَكَتَبَ عِنْدَهُ، وَأَمَّا جَزَاؤُهُ فَمُتَعَلِّقٌ بِعَمَلِ العَبْدِ، وَهَذَا عِلْمٌ آخَرُ غَيرُ العِلْمِ الأَوَّلِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٤٢]، فَالعَبْدُ مَأْمُورٌ بِالعَمَلِ لِتَكُونَ لَهُ حُجَّتُهُ عِنْدَ رَبِّهِ (١).
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يُونُس: ٢] كَيفَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الإِيمَانَ سَبَبًا لِمَا سَبَقَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِهِ بِدُخُولِهِمُ الجَنَّةَ.
٢ - أَنَّ العَبْدَ وَإِنْ كَانَ مَكْتُوبًا اسْمُهُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ أَوِ السَّعَادَةِ؛ فَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ الفَرِيقَينِ! وَلَكِنَّ عَمَلَهُ يَكُونُ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ؛ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الآنَ، فِيمَ العَمَلُ اليَومَ، أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: ((لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ)).
(١) قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀: "فِي غَرِيبِ سُورَةِ يُونُس: فَقَالَ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يُونُس: ٢]: سَبَقَ لَهُمُ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ". الإِتْقَانُ فِي عُلُومِ القُرْآنِ (٢/ ١٨) تَحْتَ النَّوعِ السَّادِسِ وَالثَّلَاثِينَ: فِي مَعْرِفَةِ غَرِيبِهِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.