- المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: إِذَا كَانَ الشَّرُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَمَا الجَوَابُ عَنِ الحَدِيثِ المَعْرُوفِ: ((وَتَؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ))؟
الجَوَابُ:
إِنَّ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيهِ تَعَالَى هُوَ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ مِنْ جِهَةِ الأَفْعَالِ -أَي: نَفْسِ فِعْلِهِ تَعَالَى-، وَفي الحَدِيثِ: ((والشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ)) (١)، وَلَكِنَّهُ يُنْسَبُ إِلَيهِ تَعَالَى خَلْقًا وَمَشِيئَةً؛ إِذْ لَا يَحْصُلُ فِي مُلْكِهِ تَعَالَى إِلَّا مَا شَاءَ وَأَذِنَ بِهِ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الحَكِيمُ (٢)، وَلَهُ فِي ذَلِكَ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً وَإِلَينَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣٥] فَظَاهِرٌ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَنَّ الإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ لِلابْتِلَاءِ بِالشَّرِّ وَالخَيرِ، وَلَكِنَّهُ رَاجِعٌ لَا مَحَالَةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَمُجَازِيهِ عَلَى مَا عَمِلَ فِي ابْتِلَائِهِ.
وَأَمَّا قَولُهُ ﵊ فِي الحَدِيثِ: ((وَتَؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ)) فَيُقْصَدُ بِهِ المَقْدُورُ أَوِ القَضَاءُ الَّذِي هُوَ المَخْلُوقُ وَلَيسَ نَفْسَ تَقْدِيرِ اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ كُلُّهُ خَيرٌ، وَالقَدَرُ وَالقَضَاءُ هُمَا مِنَ الأَلْفَاظِ المُشْتَرَكَةِ الَّتِي إِذَا اجْتَمَعَتْ افْتَرَقَتْ؛ وَإِذَا افْتَرَقَتْ اجْتَمَعَتْ (٣)
(١) وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٧٧١).(٢) قَالَ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ ﵀: "وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالشَّرِّ، بَلْ نَهَى عَنْهُ وَأَمَرَ بِالَخيرِ، وَلَمْ يَرْضَ بِالشَّرِّ وَإِنْ كَانَ مُرِيدًا لَهُ". مَقَالَاتُ الإِسْلَامِييَن (١/ ٢٢٨).(٣) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١٥/ ١٨٦): "وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: القَضَاءُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وُجُوهٍ مَرْجِعُهَا إِلَى انْقِطَاعِ الشَّيءِ وَتَمَامِهِ. وَكُلُّ مَا أُحْكِمَ عَمَلُهُ أَو أُتِمَّ أَو خُتِمَ أَو أُدِّيَ أَدَاءً أَو أُوجِبَ أَو أُعْلِمَ أَو أُنْفِذَ أَو أُمْضِيَ فَقَدْ قُضِيَ. قَالَ: وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّهَا فِي الحَدِيثِ، وَمِنْهُ القَضَاءُ المَقْرُونُ بِالقَدَرِ، وَالمُرَادُ بِالقَدَرِ=
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.