- المَسْأَلَةُ الحَادِيَةَ عَشَرَةَ: قَولُهُ تَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: ((كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيتُهُ)) (١) يُشْكِلُ مَعَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ المَرْفُوعِ: ((كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فأَبَوَاه يُهَوِّدَانِهِ، أَو يُنَصِّرَانِهِ، أَو يُمَجِّسَانِهِ)) (٢) مِنْ جِهَةِ حُصُولِ الهِدَايَةِ ابْتِدَاءً؛ فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:
١ - أَنَّ الخِطَابَ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ هُوَ عَنِ المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ تَبَيَّنَ سَعْيُهُم، وَاخْتَارُوا طَرِيقَهُم، بَينَمَا الحَدِيثُ الآخَرُ: الكَلَامُ فِيهِ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُكَلَّفُوا بَعْدُ.
٢ - أَنَّ مَعْنَى الفِطْرَةِ فِي هَذَا الحَدِيثِ الثَّانِي هُوَ الاسْتِعْدَادُ لِقَبُولِ الإِسْلَامِ؛ وَلَيسَ هُوَ نَفْسَ الإِسْلَامِ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "قَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ((يَقُولُ اللهُ ﷿: خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ -وَفِي رِوَايَةٍ: مُسْلِمِينَ- فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ)) وَلَيسَ كَذَلِكَ! فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ بَنِي آدَمَ، وَفَطَرَهُمْ عَلَى قَبُولِ الإِسْلَامِ، وَالمَيلِ إِلَيهِ دُونَ غَيرِهِ، وَالتَّهَيُّؤِ لِذَلِكَ، وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ بِالقُوَّةِ، لَكِنْ لَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنْ تَعْلِيمِ الإِسْلَامِ بِالفِعْلِ؛ فَإِنَّهُ قَبْلَ التَّعْلِيمِ جَاهِلٌ لَا يَعْلَمُ شَيئًا، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيئًا﴾ [النَّحْل: ٧٨]، وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضُّحَى: ٧]، وَالمُرَادُ: وَجَدَكَ غَيرَ عَالِمٍ بِمَا عَلَّمَكَ مِنَ الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ" (٣).
(١) رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ مَرْفُوعًا، وَهُوَ قُدُسِيٌّ. صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٥٧٧).(٢) البُخَارِيُّ (١٣٥٨)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٥٨).(٣) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣٩).قُلْتُ: وَحَدِيثُ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٨٦٥) مَرْفُوعًا.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.