قِيلَ: هُوَ أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْ هَذِينِ مُسَهَّلٌ لَهُ العَمَلُ الَّذِي اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ؛ مُزَيَّنٌ ذَلِكَ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحُجُرَات: ٧] الآيَةُ (١).
وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاءِ؛ فَإِنَّهُ زَيَّنَ لَهُم سُوءَ أَعْمَالِهِم لِإِيثَارِهِم لَهَا عَلَى الهُدَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النَّمْل: ٤]، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فَاطِر: ٨]، وَهَذَا يُصَحِّحُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ عِلْمَ اللهِ النَّافِذَ فِي خَلْقِهِ بِمَا هُمْ بِهِ عَامِلُونَ؛ وَكِتَابَهُ الَّذِي كَتَبَهُ قَبْلَ خَلْقِهِ إِيَّاهُم بِأَعْمَالِهِم: لَمْ يَضْطَرَّ أَحَدًا مِنْهُم إِلَى عَمَلِهِ ذَلِكَ! بَلْ هُوَ أَنَّ المُضْطَرَّ إِلَى الشَّيءِ لَا شَكَّ أَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَيهِ لَا مُحِبٌّ لَهُ! بَلْ هُوَ لَهُ كَارِهٌ وَمِنْهُ هَارِبٌ، وَالكَافِرُ يُقَاتِلُ دُونَ كُفْرِهِ أَهْلَ الإِيمَانِ! وَالفَاسِقُ يُنَاصِبُ دُونَ فِسْقِهِ الأَبْرَارَ! مُحَامَاةً مِنْ هَذَا عَنْ كُفْرِهِ الَّذِي اخْتَارَهُ عَلَى الإِيمَانِ، وَإِيثَارًا مِنْ هَذَا لِفِسْقِهِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ يَبْذُلُ مُهْجَتَهُ دُونَ إِيمَانِهِ، وَيُؤْثِرُ العَنَاءَ وَالنَّصَبَ دُونَ مَلَاذِّهِ وَشَهَوَاتِهِ حُبًّا لِمَا هُوَ لَهُ مُخْتَارٌ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِ عَلَى مَعَاصِيهِ، وَأَنَّى يَكُونُ مُضْطَرًّا إِلَى مَا يَعْمَلُهُ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَاتُهُ؟ فَبَانَ أَنَّ مَعْنَى قَولِهِ: ((اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ)) هُوَ أَنَّ كُلَّ فرِيقَي السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ مُسَهَّلٌ لَهُ العَمْلُ الَّذِي اخْتَارَهُ؛ مُزَيَّنٌ ذَلِكَ لَهُ" (٢).
(١) وَعَلَيهِ تَكُونُ عَلَامَةُ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ هِيَ أَنْ يُحِبَّ العَبْدُ مَا يُحِبُّ اللهُ تَعَالَى، وَأَنْ يَكْرَهَ العَبْدُ مَا يَكْرَهُهُ اللهُ تَعَالَى، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٢٥].(٢) شَرْحُ البُخَارِيِّ (١٠/ ٣٠٣).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.