- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّ عَدَمَ إِجَابَةِ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ هُوَ مَكْرُوهٌ فَقَط وَلَيسَ لِلتَّحْرِيمِ! اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ. قَالَ: ((لَا تُقْسِمْ)) (١)، فَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُجِبْ طَلَبَهُ! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - إِنَّ الحَدِيثَ السَّابِقَ لَيسَ فِيهِ السُّؤَالُ بِاللهِ أَصْلًا! وَإِنَّمَا فِيهِ القَسَمُ بِاللهِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ مِنْ جِهَةِ إِظْهَارِ التَّعْظِيمِ بِإِبْرَارِهِ وَلَكِنْ فَرْقٌ بَينَهُمَا (٢).
(١) وَالحَدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧٠٤٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٦٩).وَهُوَ بِتَمَامِهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيتُ اللَّيلَةَ فِي المَنَامِ ظُلَّةً تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا؛ فَالمُسْتَكْثِرُ وَالمُسْتَقِلُّ، وَإِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ، ثُمَّ وُصِلَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ بِأَبِي أَنْتَ وَاللَّهِ! لَتَدَعَنِّي فَأَعْبُرُهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((اعْبُرْهَا))، قَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ؛ فَالإِسْلَامُ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُفُ مِنَ العَسَلِ وَالسَّمْنِ؛ فَالقُرْآنُ؛ حَلَاوَتُهُ تَنْطُفُ، فَالمُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ وَالمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ؛ فَالحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيهِ؛ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوَصَّلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللهِ -بِأَبِي أَنْتَ- أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا))، قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ. قَالَ: ((لَا تُقْسِمْ)).(٢) وَلَا يَخْفَى الفَرْقُ بَينَ السُّؤَالِ بِالرَّحِمِ -وَهُوَ جَائِزٌ- وَبَينَ سُؤَالِ الرَّحِمِ نَفْسِهَا -وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ-! قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النِّسَاء: ١].قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٥): "ثُمَّ النَّهْيُ إِنَّمَا جَاءَ فِي الْحَلِفِ بِغَيرِ اللَّهِ، وَهَذَا تَوَسُّلٌ إِلَى الْغَيرِ بِحَقِّ الرَّحِمِ؛ فَلَا نَهْيَ فِيهِ".
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.