وكفره على الامتناع عن السجود لآدم كفرًا بالله واستكبارًا، ولم يكفه الامتناع حتى باح بالاعتراض على ربه، والقَدْح في حِكْمته، فقال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، وهذا القياس من أفسد الأقيسة؛ فإنه باطلٌ من عدة أوجه:
منها: أنه في مقابلة أمرِ الله له بالسجود، والقياس إذا عارَض النصَّ، فإنه قياسٌ باطل؛ لأنَّ المقصود بالقياس أن يكون الحكم الذي لم يأتِ فيه نصٌّ يقارب الأمور المنصوص عليها، ويكون تابعًا لها، فأمَّا قياس يعارضها، ويلزم من اعتباره إلغاء النصوص؛ فهذا القياس من أشنع الأقيسة.
ومنها: أنَّ قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾؛ بمجرَّدها كافية لنقص إبليس الخبيث؛ فإنَّه برهن على نقصه بإعجابه بنفسه وتكبُّره، والقول على الله بلا علم، وأيُّ نقص أعظم من هذا؟!
ومنها: أنه كذب في تفضيل مادة النار على مادة الطين والتراب؛ فإنَّ مادة الطين فيها الخشوعُ والسكونُ والرزانةُ، ومنها تظهر بركات الأرض من الأشجار وأنواع النبات على اختلاف أجناسه وأنواعه، وأما النار ففيها الخِفَّة والطَّيْش والإحراق.
فقال الله له: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، فكان هذا الكفر والاستكبار والإباء منه وشدة النفار هو السبب الوحيد أن يكون مطرودًا ملعونًا، فقال الله له: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] فلم يخضع الخبيث لربه، ولم يَتُبْ إليه، بل بارَزَه بالعداوة، وصَمَّم التصميم التام على عداوة آدم وذريته، ووطَّن نفسه لَمَّا علم أنه حتم عليه الشقاء الأبدي أن يدعو الذرية بقوله وفعله وجنوده إلى أن