كانت زوجة عمران - وهو من أكابر بني إسرائيل ورؤسائهم وذوي المقامات العالية عندهم - نذرت حين ظهر حملها أن تُحرِّر ما في بطنها لبيت المقدس، يكون خادمًا لبيت الله، مُعَدًّا لعبادة الله، ظنًّا أن الذي في بطنها ذَكَرٌ، فلما وضعتها قالت معتذرة إلى الله شاكية إليه الحال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، أي: إن الذَّكَر الذي له القوة والقدرة على ما يراد منه من القيام بخدمة بيت المقدس، ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، فحصنتها بالله من عدوها هي وذريتها، وكان هذا أول حفظ وحماية من الله لها، ولهذا استجاب الله لها في هذه الدنيا: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، فجمع الله لها بين التربية الجسدية والتربية الروحية، حيث قدر أن يكون كافلها أعظم أنبياء بني إسرائيل في ذلك الوقت؛ فإن أمها لما جاءت بها لأهل بيت المقدس تنازعوا أيهم يكفلها؛ لأنها ابنة رئيسهم، فاقترعوا وألقوا أقلامهم، فأصابت القرعة زكريا رحمة به وبمريم، فكفلها أحسن كفالة، وأعانه على كفالتها بكرامة عظيمة منه، فكانت قد نشأت نشأة الصالحات الصدِّيقات، وعكفت على عبادة ربها، ولزمت محرابها، فكان زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا، قال: أنى لك هذا؟ فإنه ليس لها كافل غير زكريا،