وأما خواصُّ الذرية من الأنبياء، وأتباعهم من الصدّيقين والأصفياء، وطبقات الأولياء والمؤمنين، فإن الله تعالى لم يجعل لهذا العدو عليهم تسلُّطًا، بل أقام عليهم سورًا منيعًا، وهو حمايته وكفايته، وزوَّدهم بسلاح لا يمكن لعدوهم مقاومته بكمال الإيمان بالله، وقوة توكُّلهم عليه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]، ومع ذلك فأعانهم على مقاومة هذا العدو المبين بأمور كثيرة؛ أنزل عليهم كُتُبه المحتوية على العلوم النافعة، والمواعظ المؤثرة، والترغيب في فعل الخيرات، والترهيب من فعل الشرور، وأرسل إليهم الرسل مبشرين من آمن بالله وأطاعه بالثواب العاجل، ومنذرين من كَفَر وكذَّب وتولى بالعقوبات المتنوعة، وضمن لمن اتبع هُداه الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله أن لا يَضِلَّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وأنه لا خوف عليه، ولا حزن يعتريه؛ وأرشدهم في كتبه، وعلى ألسنة رُسُله إلى الأمور التي بها يحتمون من هذا العدو المبين، وبيَّنَ لهم ما يدعو إليه هذا الشيطان، وطُرُقَه التي يصطاد بها الخليقة.
وكما بينها لهم ووضّحها فقد أرشدهم إلى الطرق التي ينجون بها من شرّه وفتنته، وأعانهم على ذلك إعانةً قدرية خارجة عن قدرتهم؛ لأنهم لما بذلوا المجهود، واستعانوا بالمعبود، سهل لهم كل طريق يوصل إلى المقصود.
ثم إن الله تعالى أتمَّ نعمته على آدم، فخلق منه زوجته حواء من جنسه وعلى شكله؛ ليسكُنَ إليها، وتتم المقاصد المتعددة من الزواج والالتئام، وتنبثَّ (١) الذرية بذلك، وقال له ولزوجته: إن الشيطان عدو لكما، فاحذراه غاية الحذر، فلا يُخْرِجنَّكما من الجنة التي أسكنكما الله إياها، وأباح لكما أن تأكلا من جميع ثمارها، وأن تتمتّعا بجميع لذّاتها، إلا شجرة معينة في هذه الجنة،