ودخل فيه؛ كان ذلك من العجائب. قال المفسرون: كان ذلك المسلك للحوت سربًا، ولموسى وفتاه عجبًا، فلما قال له الفتى هذا القول، وكان عند موسى وعدٌ من الله أنه إذا فقد الحوت وجد الخضر، فقال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾، أي: نطلب، ﴿فَارْتَدَّا﴾ أي: رجعَا ﴿عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، أي: رجعَا يقُصَّان أثرهما إلى المكان الذي نَسِيَا فيه الحوت، فلما وصلا إليه وجدا ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾، وهو الخضر، وكان عبدًا صالحًا، لا نبيًّا، على الصحيح. ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾، أي: أعطاه الله رحمةً خاصةً؛ بها زاد علمه وحسن عمله، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا ﴿عِلْمًا﴾، وكان قد أُعطي من العلم ما لم يُعطَ موسى، وإن كان موسى ﵇ أعلم منه بأكثر الأشياء، وخصوصًا في العلوم الإيمانية والأصولية؛ لأنه من أُولي العزم من المرسلين الذين فضّلهم الله على سائر الخلق بالعلم والعمل وغير ذلك، فلما اجتمع به موسى قال له على وجه الأدب والمشاورة، والإخبار عن مطلبه: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، أي: هل أتَّبعك على أن تُعلّمني مما علَّمك الله ما به أسترشد وأهتدي، وأعرف به الحقَّ في تلك القضايا؟ وكان الخضر قد أعطاه الله من الإلهام والكرامة ما به يحصلُ له الاطلاع على بواطن كثير من الأشياء التي خفِيت حتى على موسى ﵇، فقال الخضر لموسى: لا أمتنع من ذلك، ولكنك ﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، أي: لا تقدر على اتِّباعي وملازمتي؛ لأنك ترى ما لا تقدر على الصبر عليه من الأمور التي ظاهرها المنكر، وباطنها غيرُ ذلك، ولهذا قال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أي: كيف تصبر على أمرٍ ما أحطت بباطنه وظاهره، ولا علمت المقصود منه ومآله؟
فقال موسى ﵇: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، وهذا عزمٌ منه قبل أن يوجد الشيءُ الممتحن به، والعزمُ شيءٌ، ووجود الصبر شيءٌ آخر؛ فلذلك ما صبر موسى ﵇ حين وقع الأمر.