ولَمَّا أعطاه الله هذه المنَّة العظيمة أمره أن يشكره على ما أعطاه؛ ليبارك له فيه، وليزيده من فضله، وأخبره أنَّ شكر الشاكرين يعودُ نَفْعُه عليهم، وأنَّ مَنْ كفر فلم يشكُر الله عاد وبَالُ ذلك عليه، والله غنيٌّ عنه حميدٌ فيما يقدِّره ويقضيه على منْ خالف أمره؛ فغناه تعالى من لوازم ذاته، وكونه حميدًا في صفات كماله حميدًا في جميل صنعه من لوازم ذاته، وكلُّ واحد من الوصفين صفة كمال، واجتماع أحدهما إلى الآخر زيادة كمال إلى كمال.
واختلف المفسرون؛ هل كان لقمانُ نبيًّا، أو عبدًا صالحًا؟ والله تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، وذكر بعض ما يدلُّ على حكمته في وَعْظِه لابنه، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾، أو قال له قولًا به يَعِظُه، والوعظ: الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، فأمره بالإخلاص، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له السبب في ذلك، فقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، ووجه كونه عظيمًا أنَّه لا أفظع ولا أبشع ممن سَوَّى المخلوق من تراب بمالك الرقاب، وسَوَّى الذي لا يملك من الأمر شيئًا بمن له الأمر كلُّه، وسوَّى الناقص الفقير من جميع الوجوه بالربِّ الكامل الغنيِّ من جميع الوجوه، وسوَّى من لم يُنْعم بمثقال ذرةٍ من النِّعَم، بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم ودنياهم وأخراهم، وقلوبهم وأبدانهم؛ إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟! وهل أعظم ظلمًا ممن خَلَقه الله لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة، فجعلها في أَخَسِّ المراتب، جعلها عابدةً لمن لا يسوى شيئًا، فظلم نفسه ظلمًا كبيرًا؟!
ولما أمر بالقيام بحقِّه بترك الشرك الذي من لوازمه القيام بالتوحيد أمر بالقيام بحق الوالدين، فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾، أي: عَهِدْنا إليه، وجعلناه وصيةً عنده، سنسأله عن القيام بها، وهل حفظها أم لا؟