الوقت ليس لهم رئيس يجمعهم، كما جرت عادة القبائل أصحاب البيوت، كل بيت لا يرضى أن يكون من البيت الآخر رئيس، فالتمسوا من نبيهم تعيين ملك يُرضي الطرفين، ويكون تعيينه خاصًا لعوائدهم، وكانت أنبياء بني إسرائيل تَسُوسُهم، كلما مات نبي خلفه نبي آخر (١)، فلما قالوا لنبيهم تلك المقالة ﴿قَالَ﴾ لهم نبيهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾، أي: لعلكم تطلبون شيئًا وهو إذا كُتب عليكم لا تقومون به، فعرض عليهم العافية فلم يقبلوها، واعتمدوا على عزمهم ونيتهم، فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾، أي: أيُّ شيء يمنعنا من القتال وقد أُلْجِئْنَا إليه بأن أُخْرِجْنَا من أوطاننا، وسُبِيَتْ ذرارِيُّنَا، فهذا مُوجِب لكوننا نقاتل ولو لم يُكْتَب علينا، فكيف مع أنه فرض علينا وقد حصل ما حصل، ولهذا لما لم تكن نياتهم حسنة ولم يَقْوَ توكلهم على ربهم، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾، فجبُنُوا عن قتال الأعداء، وضعفوا عن المصادمة، وزال ما كانوا عزموا عليه، واستولى على أكثرهم الخَوَرُ والجبن، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾، فعصمهم الله وثَبَّتَهم، وقوَّى قلوبهم فالتزموا أمر الله، ووطَّنُوا أنفسهم على مقارعة أعدائه، فحازوا شرف الدنيا والآخرة، وأما أكثرهم فظلموا أنفسهم وتركوا أمر الله، فلهذا قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ مجيبًا لطلبهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾، فكان هذا تعيينًا من الله الواجب عليهم فيه القبول والانقياد وتَرْك الاعتراض، ولكن أبوا إلا أن يعترضوا، فقالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾، أي: كيف يكون ملكًا، وهو دوننا في الشرف والنسب، ونحن أحق بالملك منه.