للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ويحمل معه جميع مَنْ آمن من رجال ونساء، والحال أنه ما آمن معه إلا قليل، وأمره أن يحمل أهله إلا من سبق عليه القول بالهلاك، فلما أركب جميع من أُمر بهم قال لهم: سموا الله كلما جَرَتْ وكلما رَسَتْ؛ لأن الأسباب مهما عظمت فهي من لطف الله، ولا تمام لها إلا بالله.

فحينئذ فجَّر الله الأرض عيونًا، وأمر السماء أن تصب الماء المنهمر الكثير، فالتقت مياه السماء بمياه الأرض، وساحت على الأماكن المنخفضة، ثم ارتفعت شيئًا فشيئًا على كل المرتفعات حتى خفيت قمم الجبال الشاهقة، والسفينة تجري بهم في موج كالجبال تضرب يمينًا وشمالًا، وفي تلك الحال المزعجة رأى نوحٌ ابنه الكافر الذي كان على دين قومه وقد اعتزل أباه حتى في هذه الحال، فرآه مثل سائر قومه قد فرَّ هاربًا من المياه الجارفة، فناداه نوح مترفقًا فقال: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَب مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢]، فتمادى به الغرور في تلك الحال التي تنقشع فيها الغياهب إلا عن القلوب المحجوبة، فقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣]، لم يخطر ببالهم أن المياه سترتفع فوق رؤوس الجبال، فقال له نوح: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] فلا يعصم جبل ولا حصن ولا غير ذلك إلا من رحم الله، ورحمته في تلك الحال متعينة في ركوب السفينة مع نوح.

﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ [هود: ٤٣] فكان ذلك الابن من المُغرقين.

فأغرق الله جميع الكافرين، ونجَّى نوحًا ومن معه أجمعين، وكان في ذلك آية على أن ما جاء به نوح من التوحيد والرسالة والبعث والدين حق، وأن مَنْ خالفَه فإنه مُبْطل، ودليل على الجزاء في الدنيا لأهل الإيمان بالنجاة والكرامة، ولأهل الكفر بالهلاك والإهانة.

فلما حصل هذا المقصود العظيم أمر الله السماء أن تُقْلِع عن الماء، والأرض أن تبلع ما فيها، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: ٤٤] أي: نقص شيئًا فشيئًا،

<<  <   >  >>