الأموال العظيمة المُطغية، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾، أي: كنوز الأموال شيئًا كثيرًا، ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، والعُصبة: من العشرة إلى التسعة إلى السبعة، ونحو ذلك، أي: حتى أن مفاتح خزائن أمواله لتثقل الجماعة القوية عن حملها هذه المفاتيح، فما ظنك بالخزائن؟!
﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ ناصحين له محذرين له عن الطغيان: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، أي: لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة، وتفتخر بها، وتلهيك عن الآخرة؛ فإن الله لا يحب الفَرِحين بها، المُكِبِّين على محبّتها.
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾، أي: قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغِ بها ما عند الله، وتصدَّق، ولا تقتصر على مجرَّد نَيْل الشهوات، وتحصيل اللذات، ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، أي: لا نأمرك أن تتصدَّق بجميع مالك وتبقى ضائعًا، بل أَنْفِقْ لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعًا لا يثلُم دينك، ولا يضرُّ بآخرتك، ﴿وَأَحْسِن﴾ إلى عباد الله، ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ بهذه الأموال، ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالتكبُّر والعمل بمعاصي الله والاشتغال بالنّعم عن المنعم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾، بل يعاقبهم على ذلك أشدّ العقوبة.
فقال قارون رادًّا لنصيحتهم، كافرًا بنعمة ربه: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، أي: إنَّما أدركت هذه الأموال بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب، وحِذْقي، أو على علم من الله بحالي؛ يعلم أني أهلٌ لذلك، فلِمَ تنصحوني على ما أعطاني الله تعالى؟
قال تعالى مبيِّنًا أن عطاءه ليس دليلًا على حُسْن حالة المُعْطَى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾، فما المانع من إهلاك قارون مع مُضِيِّ عادتنا وسنَّتنا بإهلاك مَنْ هو مثله وأعظم منه إذا فعل ما يوجب الهلاك؟