راثين لحالهم، منكرين لمقالهم، ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ العاجل؛ من لذَّة العبادة ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والآجل من الجنة وما فيها مما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين ﴿خَيْرٌ﴾ من هذا الذي تمنَّيتم ورغبتم فيه، فهذه حقيقة الأمر، ولكن ما كلُّ مَنْ يعلم ذلك يُؤثر الأعلى على الأدنى، فما يُلَقَّى ذلك ويوفَّقُ له ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ الذين حبسوا أنفسهم على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وصبروا على جواذب الدنيا وشهواتها، أن تشغلهم عن ربهم، وأن تحول بينهم وبين ما خُلقوا له؛ فهؤلاء الذين يُؤْثِرُون ثواب الله على الدنيا الفانية.
فلما انتهت بقارون حالة البغي والفخر، وازيَّنت الدنيا عنده، وكثر بها إعجابه؛ بَغَتَهُ العذاب، ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ جزاء من جنس عمله؛ فكما رفع نفسه على عباد الله أنزله الله أسفل سافلين، هو وما اغترَّ به من داره وأثاثه ومتاعه، ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ﴾، أي: جماعة، وعُصْبة، وخدم، وجنود، ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾، أي: جاءه العذاب، فما نُصِر ولا انتصر.
﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾، أي: الذين يريدون الحياة الدنيا، الذين قالوا: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾، ﴿يَقُولُونَ﴾ متوجِّعين ومعتبرين، وخائفين من وقوع العذاب بهم: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾، أي: يُضيِّق الرزق على من يشاء، فعلمنا حينئذٍ أن بَسْطه لقارون ليس دليلًا على خير فيه، وأنَّنا غالطون في قولنا: ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ و ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، فلم يعاقبنا على ما قلنا، فلولا فضله ومِنَّتُه ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾، فصار هلاك قارون عقوبةً له، وعبرةً وموعظةً لغيره، حتى إنَّ الذين غبطوه، سمعت كيف ندموا، وتغيَّر فكرُهم الأول، ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: لا في الدنيا، ولا في الآخرة.