للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

الاحتمال الأخير، قال: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، وهذا تعليق بالأمر الذي يعترفون أنه محال، فحينئذ ظهر الحق وبان، واعترفوا هم بالحق، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾، أي: ما كان اعترافهم ببطلان إلهيتها إلا وقتًا قصيرًا حيث ظهرت الحجة مباشرة التي لا يمكن مكابرتها، ولكن ما أسرع ما عادت عليهم عقائدهم الباطلة التي رسخت في قلوبهم، وصارت صفات ملازمة، إن وُجد ما ينافيها فإنه عارض يعرض ثم يزول: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، فحينئذ وبخهم بعد إقامة الحجة التي اعترف بها الخصوم على رؤوس الأشهاد، فقال لهم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦ - ٦٧]، فلو كان لكم عقول صحيحة لم تُقيموا على عبادة ما لا ينفع ولا يضر، ولا يدفع عن نفسه مَنْ يريده بسوء، فلما أعيتهم المقاومة بالبراهين والحُجَج عَدَلُوا إلى استعمال قوتهم وبطشهم وجبروتهم في عقوبة إبراهيم، فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾، فأوقدوا نارًا عظيمة جدًا فألقوه بها، فقال وهو في تلك الحال: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال الله للنار: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فلم تضره بشيء، ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ لينصروا آلهتهم، ويُقيموا لها في قلوبهم وقلوب أتباعهم الخضوع والتعظيم، فكان مكرهم وبالًا عليهم، وكان انتصارهم لآلهتهم نصرًا عظيمًا عند الحاضرين والغائبين والموجودين والحادثين عليهم.

وانتصر الخليل على الخواص والعوام والرؤساء والمرؤوسين، حتى إن ملكهم حاجَّ إبراهيم في ربِّه بغيًا وطغيانًا، ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فألزمه الخليل بطَرْد

<<  <   >  >>